ذكر لي صاحِبُ مصْنع فقال : هل تعْرِفُ المِقْلاة التي يوضعُ فيها الزيْتُ الحامي ؟ فقال لي: أنا جالسٌ فيها ، إذْ لا توجد موادٌ في المعْمل ولا بدّ أنْ أدْفع أُجور العُمال والضرائب ، والإنتاج أصبح زهيداً ، لقد خلقنا الإنسان في كَبَد ، فهذه المتاعب كُلِّها من أجل أن نرْقى في الجنَّة ، فلا جنَّة بلا متاعب ، بها يظْهر يقينه بالله وصبْره وحِكْمته فهذا هو المعنى الأول .
والمعنى الثاني أنَّ خلْقَ الإنسان بهذه الصُّعوبة وتوفير كُلِّ حاجاتِه ، فلوْلا أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الحاجة وخلق ما يُلَبيها لما عَرَفْتَهُ ، ولو أنّ الله عز وجل خلقنا كالخشب الأصم بلا أجْهزة فلا حاجة للطعام والشراب والنوم أنت مُحْتاج للنوم فَخَلَقَ لك صوفاً وقُطْناً لِتنام عليه، وأنت مُحْتاجٌ للطعام فَخَلَقَ لك طعاماً وفواكه وثِماراً وحُبوباً وبقولاً ، وأنت مُحْتاجٌ إلى سائِل تُحَلَّلُ فيه هذه المواد فَخَلَقَ الماء وجعله عذْباً فُراتاً ، وأنت بِحاجَة إلى مواد قاسِيَة تصْنع بِها حاجاتِك فَخَلَقَ لك الحديد ، وأنت بِحاجة إلى أرض تزْرَعُها فَتنبُت فَخَلَقَ لك التربة ولم يجْعلْها صخْراً ، وخلق لك المواد النفْطِيَّة الخشب كي تُشْعِلَهُ فهو سبحانه خلق البرْد والطاقة والجوع والطعام والعطش والماء ومن أجل الاسْتمرار خلق الذَّكَر والأُنْثى نِظامٌ مُتكامل ، فالإنسان خُلِقَ بِحاجةٍ إلى أشْياء كثيرة ، وكُلُّ هذه الحاجات وفَّرَها الله سبحانه وتعالى من أجل أنْ تعْرِفَهُ فلولا أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق في هذا البلد الأرض كُلُّ حاجات الإنسان لكانت حياته شقاءً في شقاء ، ولكنَّ هذا الشقاء تلاشى فهذا هو المعنى الثاني ، فالمعنى الأول هو أنَّ طبيعة الحياة فيها مَشَقَّة لِحِكْمَةٍ بليغة أرادها الله عز وجل وهي أنْ يُكْشَفَ الإنسان على حقيقته وأنْ يظهر الكريم واللئيم والحليم والشحيح ، وكُلُّ هذه المعادن التي ينطوي عليها البشر إنما