هو في خُسْرٍ ولو كان معه ألف مليون ، ولو عنده معْمل ناجح جداً بِضاعَتُهُ رائِجَة ، ودخْلٌ كبير ، وهو في خُسْرٍ ولو كان مُوَفَّقاً في زواجِهِ لا بدّ من يومٍ تُفارق فيه زوْجَتَك ، في خُسْرٍ ولو كان ذا مكانةٍ اجْتماعِيَّة فلا بدَّ من يومٍ تُفارق هذه المكانة ، إنَّ الإنسان لفي خُسْرٍ ولو كان بيْتُهُ جميلاً ؛ لابد من يومٍ تُغادِرُهُ أُفُقِياًّ ، تدخله قائِماً وتخْرُجُه قائِماً إلا مرَّةً واحدة تخْرج منه أُفُقِياً ولا تعود إليه ؛ ألَيْسَ هذا حقاًّ ؟ إذاً كما قال تعالى :
وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)
(سورة العصر)
فقوله تعالى : عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ(3)
عاملةٌ اِنْغَمَسَ في الدنيا حتى أُذنيه ، أما هذا العمل لا علاقة له بالآخرة ولما جاء الموت رأى نفسه صِفْر اليدين ؛ لو أنَّ الواحد اشْتَغَل عشر سنوات بالأعْمال الشاقة حتى جَمَّع مئتين أو ثلاث مئة ألف ليرة ، ثمَّ وجد أنَّ هذه العُمْلة كُلُّها مُزَوَّرة ! بماذا يُحِسّ ؟ هذا الشعور سماه العلماء الإحْباط وهذا ادّخر مالاً حتى اشْترى بيْتاً ووقع عقْداً فإذا بِبَائع البيت لا يمْلكه ماذا يُحِسّ الإنسان بهذه الخسارة التي ألمَّتْ به ؟ أوَّلُ معنى عاملة في الدنيا ناصِبَةٌ في الدنيا بذل جُهْداً شاقاً يقول الله عز وجل في الحديث القدْسي :
" خلقْتُ السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ ، أَفَيُعْييني رغيفٌ أسوقه لك كُلَّ حين ؟ عَبدي لي عليك فريضة ولك عليَّ رِزْق ، فإذا خالفْتني في فريضتي لم أُخالِفْكَ فب رزقك ، وعِزَّتي وجلالي إنْ لم ترضَ بما قَسَمْته لك فَلأسَلِطَنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحْش في البريَّة ، ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قَسَمْتُهُ لك ولا أُبالي "