شيءٌ آخر يُسْتَنْبط من تسَلْسُل هذه الكلمات ، وهي أنَّ الحياة إلى فناء، مِن خُضْرَةٍ نضِرَة إلى اصْفِرارٍ وذُبول ، وإلى موتٍ واسْوِداد ، وهكذا حياة الإنسان ؛ من شباب وانْدِفاع وأحْلام إلى كُهولةٍ وشَيْخوخة ومَوْت ، وكُلُّ ما في الأرض يُنْبِئنا إلى زوال العالم ، غُروب الشَّمْس ، ومجيءُ الخريف و سُقوط أوْراق الأشْجار ، قال تعالى :
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى(4)فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى(5)
[ الأعلى : الآية 3-5 ]
جاءَتْ أوَّلُ بِشارَةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، يرْوي بعضُ كُتاب السيرة أنَّ هذه السورة من أحَبِّ السُّوَر إلى سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَحينما قرأ سبِّح اسم ربِّك الأعلى قال : اجْعَلوها في سُجودِكم ونحن في الصلاة نقول : سبحان ربِّيَ الأعلى ، فقد كانت هذه السورة مِن أحَبِّ السُّوَر إلى النبي عليه الصلاة والسلام .
الآن جاءَت البِشارة الأولى ، قال تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى(6)
[ الأعلى : الآية 6 ]
أيْ يا محمد سوف نُقْرِئك القرآن ، أما أنت فلا تنْسى ، بعضهم فَسَّرَ اللام : لا ناهِيَة ، والبعض الآخر : نافِيَة ، أيْ أنت لا تنْسى خبر ، وفي تفْسير آخر إياك أن تنْسى ، إذا قال الله عز وجل : لا تنْسى نهْياً ، أيْ عليه أن يبْتَعِدَ عن أسْباب النِّسْيان :
شَكَوْتُ إلى وكيعٍ سوء حِفْظي فأرْشَدني إلى ترْك المعاصي
وأنْبأني بِأنَّ العلم نورٌ ونور الله لا يُهْدى لِعاصي