وهذا الحَيوانُ المَنَوي دخل في بُوَيْضَة ولَقَّحَها وانْقَسَمَت إلى آلاف الأقْسام في أيام ، فَمَن هدى بعض هذه الخلايا المُنْقَسِمَة لِتَكون عموداً فَقَرِياً ؟ ومن هدى قِسْماً آخر من الخلايا لِيَكون قلْباً ؟ ومن هدى قِسْماً ثالثاً من الخلايا لِيَكون عضَلاتٍ ؟ وقِسْماً رابِعاً لِيَكون عِظاماً ؟ وهذا سائِل شفاف في العَيْن ؟ و تلك خلاياَ عَصَبِيَّة وجِلْدِيَّة وشَعْر ومَعي وأمْعاء ؟ شيءٌ واحدٌ ينتَظِمُ الخلائق كُلَّها قوله تعالى :
سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(1)الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى(4)
[ الأعلى : الآية 1-4 ]
قال بعض المُفَسِّرين : المَرْعى يُطْلق على كُلِّ نباتٍ تُنْبِتُهُ الأرض ، فهو سبحانه وتعالى أنْعم علينا بِنِعْمة الخلق والإيجاد ، وأنْعَم علينا نِعْمَةً أُخْرى هي نِعْمَةُ الإمْداد ، فما قيمة الإيجاد لولا الإمْداد ؟ قال تعالى : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى(4)
[ الأعلى : الآية 3-4 ]
فالمرْعى إذاً مُطْلق النبات .
ثمَّ قال تعالى :
فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى(5)
[ الأعلى : الآية 5 ]
معْنى غُثاءً أيْ جَعَلَهُ يابِساً ، ومعْنى أحْوى أيْ مُسْوَداً ، فالنبات ينتقِلُ من الخُضْرَةِ إلى الاصْفِرار ثم إلى الاسْوِداد فَأَوْراق الأشْجار مثَلاً بعد فصْل الخريف تُصْبِحُ سوْداء اللَّوْن ، قال تعالى:
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى(4)فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى(5)
[ الأعلى : الآية 3-5 ]