قال بعضهم : قد أفلح من تزكى ؛ أيْ مَن طَهَّرَ نفسه من الأدران الخبيثة لأن أمْراض الجسد تنتهي بالموت ! لكن خَطَرَ أمراض النفْس يبْدأ بالموت واحدٌ مُتَكَبِّر وحقود وحسود لئيم، يُحِبّ ذاته ، ويقبل أن يبني مَجْدَهُ على الآخرين ، وثَرْوَتَهُ على فقْرِ الآخرين ، وأن يبني نفسه على إتْلاف الآخرين ، وهو في الدنيا مُخَدَّر ، الناس نِيام إذا ماتوا انتَبَهوا ، فهذا الذي تزكى طَهَّر نفسه من كُلّ الأدران والمُيولات المُنْحَرِفَة ومن كُلّ الشهوات والنقائِص فقد أفلح ، ومن معاني التزكية أيضاً التَحَلِّي بالكمالات والتخلِّي عن الانحرافات ، فلا بد من تحْلِيَة وتَخْلِيَة ، فالصباغ قبل أن يغمس القماش في الدهن يقوم بِتَنْظيفه ، فإن كان في القُماش مواد زَيْتِيَّة فالصِّباغ لا يعْلق ولا يؤثر فيه ، فلا بد من تحْلِيَة وتَخْلِيَة ، لا بد من تطْهير النفْس من الأدران، ثمّ تَحْلِيَتِها بالكمال ، فالتطْهير والتَّحْلِيَة هو التَزَكي ، وهذا هو الفلاح ، لأنَّهُ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ، هذا الجُمود الكبير الذي يبْذِلُهُ الإنسان في الدنيا كي يُطَهِّرَ نفسه من كُلّ دَرَنٍ وعُجْبٍ وشِرْكٍ واسْتِعْلاء وكِبْر وحِقْد وضغينة وأَثَرَة وحُبِّ الذات ؛ هذه الجُهود يرى ثَمَرَتَها عند الموت قال تعالى :
[ يس : الآية 58 ]
قال تعالى :
[ الحجر : الآية 46 ]
وقال تعالى :
[ الحاقة : الآية 19 ]
وقال تعالى :
[ الذاريات : الآية 17 ]
فهذه الآية واضحة ولكن هل أنت في مُسْتَواها ؟! هل لك رؤيَة تنطبق على هذه الآية إنْ كانت لك رؤية خِلاف هذه الآية ... فإذا رأيتَ إنْساناً حَقَّقَ دخْلاً كبيراً جداً فهل تقول : هذا هو الفالح ! أين الآية إذاً ؟! قال تعالى :
[ القصص : الآية 79 ]