أما إذا قال الإنسان : إنه مسيَّر تسييراً مطلقاً فهذا افتراءٌ على الله عزَّ وجل ، فسيدنا على رضي الله عنه سأله رجل : أكان مسيرُنا إلى الشام بقضاءٍ من الله وقدر ؟ فقال : ويحك .. لعلَّك ظننت قضاءً لازماً وقدراً حاسماً ، إنَّ الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلَّف يسيراً ، ولم يكلِّف عسيراً ، ولم يعصَ مغلوباً ، ولم يُطَع مكرهاً ، ولم يرسل الأنبياء عبثاً ، ولم ينزِّل القرآن لعباً .
فالاختيار تماماً كطريق عليه في المقدمة لافتة مكتوب عليها ممنوع المرور .. لكن السائق بإمكانه أن يسير ، ولكن لسيره ثمن ، فإذا نهى الله عزَّ وجل عن شيء ، وإذا نفى شيئًا آخر ، وإذا نفى أي : أن هذا الشيء لا يمكن أن يحدث كأن الطريق موضوع فوقه قطع مكعبة من الإسمنت كبيرة جداً لا يمكن لسيارة أن تخترقها .. هذا هو النفي ، أما النهي أي أنك مخيَّر ، إما أن تسير فتدفع الثمن ، أو أن تستجيب فتنجو .. فالسماء والأرض والكواكب والنجوم والصخور والهواء والمياه والبحار والجبال والتراب كلُّ هذه المخلوقات مسيّرةً مائةً في المائة ، اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11)
( سورة فصلت : الآية " 11 )
لا خيار لهما .. فربنا عزَّ وجل قال :
( الانشقاق : الآية : " 1 ، 2 " )
معنى أذنت أي استمعت لأمره ، واستجابت له ، فانشقَّت ، وحُقَّ لها أن تفعل هذا ، لأنَّها ليست مختارة ، أما الإنسان فقد يستمع إلى الحق ، ولا يستجيب له ، ربما لا يستجيب ، وهذا هو الصدق ، فالنبي الكريم قال : خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ *
(رواه أبو داود)