تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما من استغنى ، أي أن المعرض لو التقى بالأنبياء جميعاً ، ولو صعد إلى السماء فيرى كل شيء ، ولو رأى ما بعد الموت ، فلن يؤمن ، والذي أراد الحقيقة دلَّتهُ بعرةٌ عليها ، " البعرة تدل على البعير ، والأقدام تدل على المسير ، والماء يدلُّ على الغدير ، أفسماءٌ ذات أبراج ، وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟ " فإن أردت الحقيقة فأقل شيءٍ في الدنيا يدلك عليها ، وإن لم تردها ، لو كنت أكبر موظف في وكالة (ناسا) الفضائية ، وترى كل يوم صور المجرات مما يذهل العقول ويبهرها فلن تؤمن .

تماماً ، فالإنسان الذي لا يريد الحقيقة ، وكان ذكياً جداً ، مثله كمثل آلة تصوير غالية جداً، ولكن ليس فيها فيلم ، فكل هذه المناظر التي تلتقطها لا تُطْبَع فيها ، والإنسان الصادق ، ولو كان متواضعاً في ثقافته ، أو في اطلاعه ، مثله كمثل آلةٍ فيها فيلم ، أيّ منظرٍ يطبعه عليها ، إن أردت الحقيقة كل شيءٍ يدلُك عليها ، وإن لمْ تردها لو التقيت مع الأنبياء جميعاً ، ورأيت كل المعجزات ، وصعدت إلى السماء فلن تؤمن ، فالقضية قضية اختيار ، وقرار داخلي ..

أيضاً هذا وصْفٌ للنبي بأنه حريصٌ على هداية الخلق ، فإذا التقى بقويٍ، أو بزعيمٍ ، فإذا اهتدى لعل مَن تبعه يهتدي ، لكن الله عزَّ وجل لفت نظره إلى أن هذا لا خير فيه .

يقول الله عزَّ وجل : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ

( سورة البقرة : من آية " 272 " )

و ..

إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

( سورة القصص : من آية " 56 " )

أي أنك لا تستطيع أن تهدي إنساناً ما أراد الهُدى ، ثم إنك لست مسؤولاً عن هذا الذي لم يهتدِ ..

فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ

( سورة الرعد: من آية " 40 " )

أما دعوتك فإنها حق ..

وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52)

( سورة الشورى )

دعوتك حق ، ولكن لأن الإنسان مخيَّر ، وهو حرٌ طليق ، فليس بإمكانك يا محمد أن تجبر أحداً على الهدى .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٠٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٠٧٨