هناك شاهدٌ آخر يؤيده وهو أن الله عزّ وجل حينما سمح أن يذاع حديث الإفك بين الناس ، وأن يرجف المرجفون في المدينة ، أن السيدة عائشة ارتكبت الفاحشة مع فلانٍ من الناس ، وأن هذا الخبر شاع ، وسار في المدينة كالنار في الهشيم ، وأن النبي عليه الصلاة والسلام تألم ألماً لا حدود له ، والنبي يعرف أن امرأته طاهرة ، ولكن ليس معه دليل إثبات ، ولا دليل نفي ، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة تأخّر الوحي أربعين يوماً ، وهو في حيرةٍ مِن أمره ، ولو أن الوحي مِن فعل النبي لقال بعد دقيقة ، أو بعد ساعة ، لقال آيةً برَّأ فيها زوجته ، لكنْ هذا لم يحدث ، ليعلم الناس أن هذا الدين أصله وحي السماء ، أي أن الإله أنزل على هذا النبي قرآناً عن طريق الوحي ، فنحن ديننا أساسه الوحي ، فإيمان المؤمن بالوحي مهمٌ جداً ، فهذا الوحي لا يملك النبيُّ له جلباً ولا دفعاً ولا توقيتًا ، لذلك جاء في الوحي عتابٌ للنبي ، وجاء في الوحي تبرئةٌ للسيدة عائشة ، ولكن بعد مضيِّ أربعين يوماً ، إذًا فالوحي مستقلٌ عن كيان الني عليه الصلاة والسلام .
إذاً تُرِك للنبي عليه الصلاة والسلام هامشٌ اجتهاديٌّ ضيِّقٌ ، ليكون هذا الهامش فارقاً بين مقام النبوة ومقام الألوهيَّة .
فمرَّةً ـ والشيء بالشيء يذكر ـ في موقعة بدر اختار النبي موقعاً لتمركز أصحابه في المعركة ، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة حَجَبَ الله عنه الموقع المناسب ، حَجَبَهُ عنه وَحْياً ، وحَجَبَهُ عنه إلهاماً ، وحَجَبَهُ عنه اجتهاداً ، وهناك موضوعاتٌ أقلُّ مِن هذا الموضوع بكثيرٍ جاءه الوحيُ فيها ، أما هذا الموضوع فقد حُجِبِ عنه الوحي فيه ، وحُجِبِ عنه الإلهام والاجتهاد ، فاختار النبي موقعاً ، فجاءه صحابيٌ جليل ، يكاد يذوب أدباً مع رسول الله وقال :