تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنسان امتُحن بالفقر ، فصبر وتعفَّف ، ورضي عن الله عزَّ وجل بما قسمه له ، فنجح في الامتحان ، وإنسانٌ آخر امتُحِنَ بالغنى ـ مثلاً ـ فرسب في الامتحان ، لأنه طغى وبغى ، واستعلى وتكبَّر ، وأنفق المال على ملذَّاته السخيفة ، وحرم منه الفقراء ، رسب ، إنسان امتحن بالفقر فنجح ، وإنسان امتُحن بالغنى فرسب ، يوم القيامة توزَّع الحظوظ توزيعاً آخر ؛ توزيع استحقاق ، توزيع جزاء ، توزيع عَدل ، فالذي نجح في امتحان الفقر سيغدو غنياً إلى أبد الآبدين، والذي رسب في امتحان الغنى سيغدو فقيراً إلى أبد الآبدين ، مِن هنا قال سيدنا علي : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " ، وتوزيع الحظوظ في الدنيا لا قيمة له من حيث إنها مُنْقَطِعَة ، أيامٌ تمضي ، ولكن الخطورة توزيعها في الآخرة ..

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ(55)

( سورة القمر )

البطولة أن يكون لك مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ، البطولة أن يرضى الله عنك ، الأرض فيها الآن ستة آلاف مليون إنسان ، واللهِ لو أن ستة آلاف مليون أثنوا عليك ، ورفعوك ، وعظَّموك ، ولم تكن عند الله مقبولاً ، فأنت أكبر خاسر ، ولو أن ستة آلاف مليون ذَمُّوك وكنت عند الله مقبولاً ، فأنت أكبر رابح ، فابتغوا الرفعة عند الله .

فهذا اليوم يوم الدين ، مثل ضربته اليوم في الخطبة : إنسان جاءته دعوة لزيارة بلد بعيد ، لمجرَّد انه قَبِلَ الدعوة ؛ تصوراته ، أفكاره ، خواطره ، كتاباته ، هواجسه ، أحلامه فكأنّه صار في هذا البلد ، هو لا يزال في بلده ولكن قلبه ، ونفسه ، واهتماماته ، وخواطره نُقِلَت إلى هذا البلد.

فلو أنّ إنسانًا أراد العمرة ـ مثلاً ـ حينما يأخذ الموافقة ، ويشتري بطاقة الطائرة ، فقد أصبح كل تفكيره ، وكل هواجسه ، وكل خططه ، وكل تأمُّلاته ، وكل محاكماته ، وكل ذاكرته صارت هناك في البيت الحرام .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٠٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٠٠١