تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكلمات أيها الأخوة مالم يكن لها مضمون واقعي لامعنى لها ، لو فرضنا أنَّ إنساناً لم ير البحر ولا صورة البحر ، إطلاقاً ، لوقلت له بحر ألف مرة لايفهم منه شيئاً ، أما إذا ركب البحر ورأى أمواج البحر ورأى اتساع البحر ورأى عمق البحر ورأى ملوحة البحر ، ورأى جمال البحر ورأى شدة البحر، ورأى هياج البحر ؛ الآن إذا قلت له بحر ، هذه الكلمة تثير عنده كل الخبرات ، يضربون على هذا مثلاً درسناه في الجامعة : الكلمة مشجب يعلق عليها كل إنسان حاجاته ، فلو أنَّ أستاذاً في الجامعة لم يُتَحْ له أنْ يكون أستاذاً ذا كرسي وسمع بكلمة كرسي يسبح خياله ساعات طويلة في متى يصبح أستاذ بكرسي ، ولماذا لم يُتَحْ له أنْ يكون في هذا المنصب ، والذي في الكرسي ليس أفضل منه ، لا علماً ولافهماً ولاخبرةً ، كل هذه المعاني وهذه الموازنات وهذه الخواطر أثارتها كلمة كرسي ، بينما يسمع هذه الكلمة إنسان يعمل في حلاقة الشعر ويحتاج إلى كرسي آخر ، يخاف أن ترتفع الضريبة عليه ، وأنْ لا يجد موظفاً يليق بالمحل ، يسبح بخاطره ساعات طويلة في موضوع آخر ، وقد يسمع هذه الكلمة إنسان مُتْعَب ، يقول أتمنى كرسياً أجلس عليه ، فالكلمة تثير خبرات .

فلولا أنَّ الله سبحانه وتعالى - دققوا الآن - جعل في الجنة جمالاً وفي الأرض جمالاً ، جعل فيها جبالاً خضراء وبحاراً زرقاء ، وأطفالاً ذوي وجوه جميلة ، تجد الطفل الصغير كالبدر أحياناً ، لولا هذا الجمال لمَا أثارتك آيات الجنة ، جنات تجري من تحتها الأنهار (سورة البقرة : الآية 25) . فكل شيء وعدنا الله به أو أوعدنا منه ، في الدنيا منه شيء نقيسه به .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٩٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٩٧٦