المفترق الذي يفترق منه المؤمن والكافر هو هذا ، الكافر يرى الدنيا كل شيء ، المُتعة فيها هي كل شيء ، اللذَّة فيها كل شيء ، نساؤها كل شيء ، مالها كل شيء ، مناصبها كل شيء؛ وأما المؤمن يراها دنيا لا عُليا ، يراها ممرًا وليست مقراً ، يراها سببًا للآخرة ، لذلك فيها يتعرَّف إلى الله ، فيها يستقيم على أمره ، فيها يتقرَّب إليه ، إذا عمل فعمله طاعة لله ، يعمل ليكسب المال لينفقه في سبيل الله ، يتعلَّم ليكون علمه موظَّفاً في سبيل الله ، يتزوَّج ليأخذ بيد زوجته إلى الله ورسوله ، ينجب الأولاد ليربِّيَهُم على طاعة الله .
يوجد فرق كبير جداً بين حياة المؤمن وحياة الكافر ، المؤمن هادف، المؤمن كل شيءٍ يسعده في الدنيا لأنه في الأصل سعيدٌ بربِّه ، مهما تكن حياته خشنة فهو سعيد ، سعيدٌ في الصحَّة والمرض ، في الغنى والفقر ، في القوَّة والضعف ، قبل الزواج وبعد الزواج ، قبل العمل وبعد العمل ، قبل أن يكون مكتفياً وبعد أن يكون مكتفياً ، لأن سعادته لا تأتيه من الخارج بل تنبع من داخله ، تنبع سعادته من إقباله على الله ، من ابتغاء مرضاته ، تنبع سعادته من طمأنينته أن الله يحبُّه ، تنبع سعادته من أنه يطبِّق المنهج الذي لا يُخطئ ، يطبِّق ما في القرآن لأن القرآن يهدي للتي هي أقوم ، هذه سعادته ، فلذلك سر إخفاق الكفَّار أنهم ما رأوا في الدنيا إلا أنها كل شيء ، ما رأوها ممراً رأوها مقرَّاً ، ما رأوها دنيا رأوها عُليا ، ما رأوها فانية رأوها باقية ، لا تبقى لأحد ..
ما الذي يميتنا ؟ هكذا الحياة ، الدهر يميتنا ، من هو الدهر ؟ يقول لك : تقلُّبات الزمان ، قلب لي الدهر ظهر المِجَن ، سَخِرَ القدر مني، لي حظ أو ليس لي حظ ، هذا كلُّه كلام الشرك ..
" يسبني ابن آدم وما كان له أن يسبني ، يسبني إذ يسب الدهر وأنا الدهر أقلِّبه كيف أشاء " .