فأحياناً يقول لك : يا أخي نفِّذ هذا الأمر ، تقول : مِنْ مَنْ ؟ اهتمامك بالأمر ومبادرتك إلى تنفيذه وتعظيمك له بحسب الآمر، إذا كنت جنديًا وأمرك وعَرِّيف ، قد لا تعبأ به ، أما إذا رأيت أن قائد الجيش وقَّع على هذا الأمر تبادر إلى تنفيذه فوراً .
كل هذه الأمثلة ما أردت منها إلا شيئاً واحداً ، كل واحد منَّا إذا ذكر كلمة الله أثارت في نفسه مكنونات بحسب تفكُّره في خلق السماوات والأرض ، بحسب تأمُّله في آيات الله الدَّالة على عظمته ، بحسب خبراته في الاتصال به ، بحسب أذواقه في الإقبال عليه ، بحسب طموحه إلى مرضاته ، كل هذه الخبرات ، وتلك المعاني ، والتصورات ، والتأمُّلات ، والأذواق إنما تثيرها كلمة الله ، فالله تثير في الإنسان كل خبراته مع الله ، كل أشواقه ، كل ذكرياته الطيّبة.
فالمؤمن عليه أن يُحْكِمُ الصلة مع الله ، لأن هذه الصلة إذا ضعُفَت أو انقطعت لا شيء في الدنيا يرضيه ، لأنه ذاق طعم القُرب ، وما سوى هذا القُرب لا شيء يملأُ عينه ، أبداً ، مهما اغتنى ، وقد يغتني وقد يأكل أطيب الطعام ، وقد يجلس في أجمل الأماكن ، وقد يسكن في أجمل البيوت ، يقول لك : لا أنسى تلك الأيَّام الخوالي التي كانت صلتي بالله فيها محكمة ، إذاً اجهد في معرفة الله ، وفي التفكُّر في خلقه ، وفي الإقبال عليه ، وفي الاتصال به ، وفي مناجاته ، وفي خدمة خلقه ، وفي الالتزام بأمره ونهيه إلى درجة أنه إذا ذُكِرَ الله وَجِلَ قلبك ، واقشعرَّ جلدك ، وانهمرت دموعك ، هذا معنى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)
( سورة الأنفال )