تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها الإخوة : كما هي الحقيقة دائماً ، الله عز وجل يخاطب الناس بأصول الدين ، يلفت نظرهم إلى وجود الله عز وجل ، وإلى وحدانيته ، وإلى كماله ، لكن الذين آمنوا بالله ، آمنوا به موجوداً ، وواحداً ، وكاملاً لهم خاطب آخر ، يخاطبهم بفروع الدين ، وكأن معنى الآية : يا من آمنتم بوجودي ، ووحدانيتي ، وكمالي ، يا من آمنتم بأسمائي الحسنى ، وصفاتي الفضلى ، افعلوا كذا وكذا ، الله عز وجل يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ ، كلكم يعلم أن اسم الفاعل له صيغة ، والمبالغة لها صيغة ، فالذي يقف على قدميه يقال له : قائم ، والذي يعالج قطعة من الخشب مرة واحدة يقال له : ناجرٌ ، والذي يصيد سمكة واحدة في حياته يقال له : صائد ، أما الذي يعتاد صيد السمك فيقال له : صياد ، والذي يبالغ في القيام يقال له : قوام ، فالله عز وجل لا يريدنا أن نكون قائمين فحسب ، بل يريدنا أن نكون قوامين ، فهي أعلى درجة من الاهتمام ، وأعلى درجة من الإخلاص ، وأعلى درجة من التطبيق ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ ﴾ ، أي أن حركة الإنسان في الحياة يجب أن تكون سعياً حثيثاً ، وجهداً كبيراً ، وصبراً مبالغاً فيه ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ ﴾ ، لكن هذه الحركة وهذا النشاط ، وهذا الاهتمام ، وهذا التصحيح ، وتلك المراجعة ، وهذه المتابعة ، لمن ؟ لله ، أشخاص كثيرون يتحركون من أجل مصالحهم ، يتحركون من أجل حظوظهم ، من أجل شهواتهم ، هناك فريق يسعى للسيطرة على الآخرين ، هناك فريق آخر يسعى لجمع الدرهم والدينار ، هناك فريق ثالث يسعى للانغماس في المتع الرخيصة ، ولكن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة يطلب منا أن يكون جهدنا ونشاطنا وحركتنا في الحياة بأعلى درجة من النشاط ، وبأعلى درجة من الإخلاص ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٧٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٧٦٨