تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن أيها الإخوة : موضوع الذاكرة شيء عجيب ، فيما قرأت عن ذاكرة الإنسان أن حجمها لا يزيد على حبة العدس ، تتسع لسبعين مليار صورة ، وأن هذه الذاكرة مبرمجة برمجة عجيبة ، فهناك بؤرة لهذه الذاكرة ، وهناك حواش ، فقد توضع صورة في بؤرتها ، وقد تنتقل صورة إلى حواشيها ، لكن الإنسان في وقت واحد لا يستطيع إلا أن يلتقط شيئاً واحدًا ، فإذا جاءه شيء ، وهو مشغول بشيء ثان لا ينطبع ، أنت داخل إلى المسجد تضع حذاءك في مكان ، هذا المكان له مكان في الذاكرة ، ليس الحذاء له مكان في الذاكرة ، لا ، مكان هذا الحذاء له في الذاكرة مكان ، فإذا خرجت من المسجد دون أن تشعر تتجه إلى المكان الذي ركز في ذاكرتك ، وتأخذ الحذاء وتمشي ، أحياناً وأنت داخل يحدثك أخ حديثاً معيناً ، فذاكرتك تتلقى من هذا الأخ ، فإذا وضعت الحذاء في مكان فهذا المكان لا ينطبع في الذاكرة ، فإذا خرجت تقول : أين وضعت حذائي ؟ في وقت واحد لا تلتقط الذاكرة إلا شيئاً واحداً .

الآن أنت مشغول بموضوع ، الموضوعات التي التقطت سابقاً موضوعة في الحواشي ، ما لم تكن هناك مناسبة لا تذكرها ، أنا التقيت مع إنسان من ثلاثين عاماً ، أخ كريم رجاني أن أتوسط له ، وهو قاض في موضوع ، فذهبت إليه ، قبل أيام كنت في عقد قران صافحني رجل ، قال : لي هل تعرفني ؟ غير أن قبل هذا اللقاء لم أره من ثلاثين عامًا ، قلت له : الأستاذ فلان ، طبعاً ملامح وجهه تغيرت تغيراً كبيراً ، لكن بقيت ملامح أساسية ، ما هذه الذاكرة ؟ من ثلاثين عاماً لقاء في ربع ساعة فقط تذكرت ، فنعمة الذاكرة نعمة لا تقدر بثمن ، قال تعالى :

[ سورة يس : الآية 67]

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٧٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٧٥٢