تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالفَرْضُ أَعْلَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَنَصِّ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ (١).

قَالَ قِوَامُ السُّنَّةِ رحمه الله فِي مَعْرِضِ ذِكْرِهِ اخْتِلَافَ الفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ زَكَاةِ الفِطْرِ: "وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الفَرْضَ أَعْلَى مِنَ الوَاجِبِ" (٢).

ثَالِثًا: التَّعَارُضُ وَالتَّرْجِيحُ:

مِنَ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَنَّ الأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُتَفَاوِتَةٌ فِيمَا بَيْنَهَا مِنْ حَيْثُ القُوَّةُ وَالْمَرْتَبَةُ، وَلِذَلِكَ كَانَ لِزَامًا عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِرَايَةٍ بِمَرَاتِبِ الأَدِلَّةِ وَقُوَّتِهَا، فَلَا يُقْدِمُ عَلَى تَرْجِيحِ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ، وَلَا يُفَضِّلُ الْمَرْجُوحَ عَلَى الرَّاجِحِ، لَكِنَّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ عَزِيزِةُ الْمَنَالِ، وَاسِعَةُ الأَكْنَافِ، مُتَعَدِّدَةُ الأَطْرَافِ، لَا يَكَادُ يُحِيطُ بِهَا إِلَّا مَنْ آتَاهُ اللهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ.

وَقَبْلَ أَنْ يَعْمِدَ الْمُجْتَهِدُ إِلَى التَّرْجِيحِ وَالْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِفْرَاغُ جُهْدِهِ فِي الجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ بَيْنَهَا، إِذْ هِيَ وَللهِ الحَمْدُ مُتَوَافِقَةٌ، يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ.

(١) ينظر في تفصيل ذلك: الفُصُول في الأُصُول للجَصَّاص (٣/ ٢٣٦)، تقويم الأدلة للدَّبوسي (ص: ٧٧)، وأصول السرخسي (١/ ١١١ - ١١٢).

وجُمهورُ العُلماءِ لا يَرَوْن فرْقًا بينَ الوَاجِب والفَرْض - وهُو الصَّحيحُ، ينظر: المستصفى للغزالي (١/ ١٢٨) وشرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلي (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣) وقواطع الأدلة للسمعاني (١/ ١٣١).

(٢) (٣/ ٤٠٣) من قسم التحقيق.

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني · الجزء ١ · الصفحة ٤٢٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح صحيح البخاري - الأصبهانيج ١ · ص ٤٢٨