تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حَقِيقَةِ مَعَانِيهَا، وَيُتَسَنَّمُ دُرْجُ مَبَانِيهَا، وَعَنْهَا يَصْدُرُ التَّأْوِيلُ، وَتَتَوَجَّهُ الأَقَاوِيلُ، وَإِنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَمَعْرِفَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَحَابَتِهِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الهُدَى مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا بِحِفْظِ لُغَاتِ العَرَبِ وَأَنْحَائِهَا … " (١).

وَالنَّاظِرُ فِي أَحْوَالِ الْمُحَدِّثِينَ يَجِدُهُمْ اعْتَنَوا بِالعَرَبِيَّةِ وَفُنُونِهَا عِنَايَةً فَائِقَةً، وَاحْتَفَوا بِعُلُومِهَا حَفَاوَةً لَائِقَةً، لِأَنَّهَا وَسِيلَةُ النَّقْلِ الصَّحِيحِ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالجَهْلُ بِهَا يَؤُولُ إِلَى وُجُودِ الخَلَلِ فِيمَا نَقَلُوهُ، وَيُفْضِي إِلَى وُقُوعِ الزَّلَلِ فِيمَا حَفِظُوهُ، وَمِنْ هُنَا تَكَاثَرَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي وُجُوبِ العِنَايَةِ بِالعَرَبِيَّةِ، وَتَكْمِيلِ فُنُونِهَا، وَالسَّعْيِ فِي تَحْصِيلِ عُلُومِهَا، لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.

وَأَقْوَالُهُمْ وَعِبَارَاتُهُمْ فِي هَذَا مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ عَقَدَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ رحمه الله بَابًا في: "الجَامِعِ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ" عَنْوَنَهُ بِقَوْلِهِ: "التَّرْغِيبُ فِي تَعَلُّمِ النَّحْوِ وَالعَرَبِيَّةِ لِأَدَاءِ الحَدِيثِ بِالعِبَارَةِ السَّوِيَّةِ" (٢).

وَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُمْ فِي بَابِ النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَصَدَّى لِعَلُومِ الدِّرَايَةِ؟ ذَلِكَ أَنَّ: "الاجْتِهَادَ إِنْ تَعَلَّقَ بِالاسْتِنْبَاطِ مِنَ النُّصُوص، فَلَا بُدَّ مِنِ اشْتِرَاطِ العِلْمِ بِالعَرَبِيَّةِ … فَلَا يُمْكِنُ مَنْ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ أَنْ يَفْهَمَ لِسَانَ العَرَبِ، كَمَا لَا يُمْكِنُ التَّفَاهُمُ فِيمَا بَيْنَ العَرَبِيِّ وَالبَرْبَرِيِّ، أَوِ الرُّومِيِّ، أَوِ العِبْرَانِي حَتَّى يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مُقْتَضَى لِسَانِ صَاحِبِهِ" (٣).

(١) المسلسل في غريب لغة العرب لأبي الطاهر محمد بن يوسف التميمي (ص: ٣٢).

(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٤).

(٣) الموافقات للشاطبي (٥/ ١٢٤ - ١٢٥).

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني · الجزء ١ · الصفحة ٣٤٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح صحيح البخاري - الأصبهانيج ١ · ص ٣٤٠