حكومة ولا دولة ولا سياسة ولا قضاء، وأنه لا ينبغي أن يكون له ذلك، وأن ما
ورد في القرآن الحكيم والسنة النبوية من الأحكام القضائية، والمعاملات السياسية
والحربية كان تنفيذه والحكم به خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، من حيث إنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى لم يكلف المسلمين أن يلتزموا تلك
الأحكام من بعده، وليس لأحد من أمته أن يخلفه في إقامة حدود الله وتنفيذ أحكام
شريعته، وانتحال أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - للقب خليفة رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان باطلا، وإن اتفق عليه العلماء وأهل الحل والعقد من
الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم ما فعلوا ذلك إلا خدعة سياسية؛ لإخضاع
العرب وغير العرب لملكهم، وأن حكومتهم كانت في الواقع ونفس الأمر لا دينية،
وأن كل ما قاله المسلمون في الخلافة الإسلامية والحكومة الدينية باطل لا يقوم عليه
دليل، وإنما يقوم الدليل على أنه لا بد للناس من حكومة مهما يكن شكلها ولو
اشتراكية بلشفية، وأن حكومة الخلافة كانت شرا وإذلالا للمسلمين، وخلاصة
الكتاب أن المسلمين ليس لهم تشريع إسلامي سياسي ولا مدني ولا قضائي، وأن
الدين ترك لهم ذلك ليرجعوا فيه إلى أحكام العقل وتجارب الأمم، فيباح لجميع
المسلمين ولكل شعب منهم أن يختار لنفسه ما شاء من أنواع الحكم إلا شكل الخلافة
والنيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة ما ورد في الكتاب والسنة، وما
جرى عليه الخلفاء الراشدون من الحكم الإسلامي.
فهذا الكتاب شر مما كتب جميع أعداء الإسلام لهدم الإسلام وتمزيق شمل
جامعته الدينية والدنيوية، يدعو المسلمين إلى الارتداد عن دينهم، ويبيح لهم
عصيان الله تعالى ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه، وتوعدا على عصيانه بعذاب
الله تعالى , فهو مخالف لما لا يحصى من النصوص القطعية المجمع عليها المعلومة
من الدين بالضرورة، ولا خلاف بين أحد من المسلمين في كفر من يجحد شيئا من
ذلك، وقد كتبت أربع مقالات في التفنيد الإجمالي لهذا الكتاب، نشرت الأولى منهن
في الجزء الماضي، وهي ما كتبته قبل قراءة الكتاب كله، وضاق هذا الجزء عن
نشر شيء آخر منها.
يقول مؤلف هذا الكتاب أنه ألفه في مدة عشر سنين متقطعة لا متصلة؛
وذلك لأنه حاول إبطال الحق الصريح الذي هو أوضح من الشمس ببعض التخييل
الشعري والسفسطة، فتكلف كثرة التفكير في الشبهات التي تقيه ما هو متوقع له من
التكفير، وكان جل مادته فيه بعض كتب الإفرنج التي كتبوها في الخلافة، وكتاب
(خلافت وحاكميت ملية) الذي كتبه بعض علماء الترك لإقناع مسلميهم بما فعلته
حكومة أنقرة الجمهورية من إلغاء الخلافة والفصل بين الدين والحكومة، ومن
بعض كتب التاريخ والأدب والكلام، ومن العجيب أن يكون من مادته مع ما ذكر
مثل كتاب الأغاني وكتاب العقد الفريد، ولم يكن منها صحيح البخاري ولا صحيح
مسلم، ولا موطأ مالك، ولا مسند أحمد، ولا شيء من كتب السنن! وماذا يفعل
بالصحاح والسنن من يريد هدمها والاستغناء بكتب الإفرنج عنها؟
قامت قيامة علماء الأزهر وغيرهم من أهل الدين احتماء على المتجرئ على
هذه الضلالة والإهانة للإسلام والمسلمين كافة، وقام في تجاههم بعض الإفرنج
والملاحدة والمرتدين ينصرون داعيتهم ويناضلون دونه، وكان لسان حماة الإسلام
جريدة (اللواء والأخبار) الإسلامية، ولسان أنصاره وحماته جريدة (السياسة)
وبعض الجرائد الإفرنجية، والتزم بعض الجرائد العربية الحياد، واختار بعضها
الذبذبة والنفاق، وإنما تكأة أنصاره في الدفاع عنه ما يسمونه (حرية الرأي)
ولكنهم يحتكرون هذه الحرية له ولأنفسهم، ويحرمونها على رجال الدين،
فالمدافعون عن الإسلام والمبينون لحقيقته يتهمون عندهم بالاعتداء على حرية الرأي
المقدسة في القانون، وأما المهاجم للإسلام الداعي لهدم تشريعه، المهين لجميع