تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يريد السلم، وإلا الحرب لمن يريد الحرب، وأنه يجب على الثوار أن يلقوا

السلاح ويستسلموا بدون قيد ولا شرط، وإنني أمنح.. . وأمنع.. . وأعفو وأصفح،

وأضر وأنفع، وأمن بالحياة، وأؤمن على الأرواح. وفاته أنه لا يوجد سوري

ولا شرقي يصدق قول سياسي أوربي، وأن الذين يبذلون أنفسهم ونفائسهم في

سبيل الحرية والاستقلال، ولم يبالوا برؤية دورهم وقصورهم كدارس الأطلال، لا

يرغبون في حياة ذليلة يمن عليهم بها مستعمر أجنبي منا، ويمنحها إياها - إن

صدق - هبة وفضلا. ولعنة الله على من يحب مثل هذه الحياة من الأنذال، ولن

يكونوا إلا من أخساء الأنذال.

كان مثل (موسيو جوفنيل) فيما ذكرنا من سعيه، كمثل صاحب الكنز مع

الخضر في المبالغة في طلبه، فقد حكي في أساطير الأولين أن الخضر (عليه

السلام) مر برجل فلاح فقير يجهد نفسه في أرض يصلحها للزراعة، فقال له:

علام هذا التعب الكبير الذي لا يأتي إلا بربح صغير، والثروة واسعة بين يديك

وأنت لا تدري؟

قال: ما هي؟ قال: إن في أرضك هذه كنزا قريب المنال، يغنيك ويغني

ذريتك من بعدك، قال: أين هو؟ أين هو؟

قال الخضر: خذ هذه القوس المعلقة في جدارك وضع فيها سهما وألقه أمامك

ثم احفر حيث وقع يظهر لك الكنز.

فلما ولى قام الرجل وأخذ القوس، فرأى وترها ضعيفا غير مشدود، فألقاه،

والتمس لها وترا جديدا شده أحكم الشد، وأخذ سهما ففوقه وألقاه وحفر حيث وقع،

فلم يجد شيئا، فظن أن السبب تقصيره في الرمي، فأخذ سهما آخر، ونزع في

القوس أشد النزع، ورمى فبلغ سهمه مكانا أبعد من الأول؛ فحفر فلم يجد شيئا،

فقال: لعل الكنز في غير هذه الجهة التي ذكرها الخضر، فما زال يرمي ويحفر

حتى حفر جوانب الأرض البعيدة كلها، وترك المكان القريب الذي أمامه وهو الذي

أشار إليه الخضر.

فلما عاد الخضر من سياحته مر به فإذا هو قد أعيا من التعب ويئس من الكنز

وعاد إلى عمله الأول، فقال له الرجل: قد غششتني وأتعبتني زمنا طويلا في

الرمي والحفر، وأنا لم آل جهدا، فقد غيرت وتر القوس وأحكمت شده مرارا

وفعلت وفعلت كما ترى.

فقال الخضر: إنك فعلت كل شيء إلا الذي قلته لك، أنا قلت لك: خذ هذه

القوس المعلقة وضع فيها سهما وألقه أمامك واحفر حيث تقع تجد الكنز، وأنت لم

تفعل هذا.

ثم أخذ الخضر القوس، وكانت قد عادت كما كانت من كثرة الاستعمال،

ورمى بها سهما من غير شد ولا جهد، ولا إغراق في النزع، وقال للرجل: احفر

ههنا، فحفر فلم يلبث أن ظهر له الكنز بأقل عناء.

إن (موسيو جوفنيل) لم يعدم ناصحا صادقا كالخضر، وإن للإنسان (خضرا)

من وجدان الحق والعدل هو أخلص نصحا من (خضر) الأولياء والقديسين الذي

يتناقل كثير من المسلمين والنصارى أخبار ظهوره لبعض الناس وإسعاده لهم،

(ومسيو جوفنيل) وهو لم يزيل بين نصيحة الصادقين وخديعة المنافقين، وكان بما

اشتهر من ذكاء قريحته وسعة تجربته جديرا بأن يفضل نصح هذا الخضر الذي يهينم له المرة بعد المرة: دع الأهواء السياسية، وتقاليد الدولة الاستعمارية. وابحث

في هذا الوطن السوري ذي التاريخ المجيد تاريخ الأنبياء والمرسلين والشهداء

والصالحين، وحضارة العرب الأمويين، وملك نور الدين وصلاح الدين - عن ذلك

الكنز الذي به سعدوا وأسعدوا العباد، وبه عمروا البلاد، فهو يغنيك عن كل ما

بذلت من الجهد ولا يغني عنه شيء.

ذلك الكنز المدفون، والسر المصون، هو الحق والعدل وتبادل المنافع

بالتراضي، حق سورية في الحرية القومية والاستقلال الوطني الذي يجب أن

يتساوى فيه الفرنسي والسوري، وأن تكون الثورة في طلبه على حكومة أجنبية،

أشرف منها على حكومة وطنية، والعدل في الحقوق بين جميع الملل والنحل على

سواء بدون تفرقة بين الأولياء والأعداء، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز:

﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة: 8)

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣١٨