وصح حسن ظني فيه، فهذا ما اتجه عندي في مسألة الاستفتاء.
***
دعوى التلقي عن النبي صلى الله
عليه وسلم بعد وفاته
وأما ما نقله الشيخ عليش عن الشعراني عن علي الخواص من استشارة الأئمة
المجتهدين للنبي صلى الله عليه وسلم يقظة في كل حكم أثبتوه، ومن القول
بعصمتهم، فهما من الباطل الذي لا يقبله إلا الخرافي الجاهل، فالمسلمون قد
أجمعوا على عدم عصمة العلماء المجتهدين، وصرحوا بجواز الخطأ عليهم، إلا أن
بعض الشيعة قد قالوا بعصمة بعض الذين خلوا من أئمة أهل البيت كالأئمة الاثني
عشر عند الإمامية، وقد كان المجتهدون يقولون القول ثم يظهر لهم أنه خطأ
فيرجعون عنه، ولو لم يثبتوا حكما إلا بالتلقي الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم لما رجع أحد منهم عن قول قاله في إثبات حكم أو نفيه، ولما أوصى من
أوصى منهم (كالشافعي) بأن من صح عنده حديث يخالف قوله فليتبع الحديث
ويضرب بقوله عرض الحائط، وكتب الشعراني مشحونة بالخرافات، وقد أطال
القول في هذه المسألة في كتاب (الميزان) وسيأتي ما فيه.
هذا، وإن أولئك المجتهدين لم يدع أحد منه هذه الدعوى، بل كانوا يستنبطون
الأحكام من أدلتها ويتناظرون فيها، ويرد بعضهم قول بعض بالدليل، ولم يدع أحد
منهم العصمة ولا ادعاها لهم أصحابهم ومؤيدو مذاهبهم، بل اعترفوا بأنهم يخطئون،
وأن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا النبي صلى الله عليه وسلم كما كان
يقول مالك، ولو صحت الدعوى لكانت أقوالهم كلها على تعارضها وتناقضها
كنصوص الكتاب والسنة، والواقع أن أكثرها اجتهادا يحتمل الخطأ والصواب وهذا
معنى وصفهم بالمجتهدين، والصحابة كانوا أعلم بدين الله من أئمة الفقه، ولم يقل
أحد بعصمتهم ولا بأنهم كانوا يرون النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ويستفتونه
فيما أشكل عليهم. والروايات في اختلافهم وتشاورهم فيما اختلفوا فيه في عهد
الراشدين كثيرة، ولو كان كبار الصحابة والتابعين الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة
يرون النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، ويتلقون عنه الأحكام لعرف هذا عنهم
الخواص والعوام، ولما وقع المسلمون فيما وقعوا فيه من الاختلاف العلمي والعملي.
ثم إن الذين ادعوا أنهم يرون النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، ويسألونه
عن الأحاديث المروية عنه وعن الأحكام والحقائق والحلال والحرام والكفر
والإيمان، ويختلفون في كل ذلك اختلافا يدور بين النفي والإثبات - فكيف يمكن أن
تصح دعواهم؟ روي عن السيوطي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أنه ليس
في جامعه الصغير حديث موضوع، أي مكذوب عليه صلى الله عليه وسلم، وروي
عن غيره أنه سأله صلى الله عليه وسلم عن عدة أحاديث من هذا الكتاب فأنكرها،
وصرح بأنه لم يقلها، وهي من غير الأحاديث التي قال رجال الحديث كالمناوي
وغيره بوضعها.
ومن مفاسد هذه الدعوى أنها فتحت للدجالين باب الإفساد في هذا الدين، وبث
العقائد الباطلة المخالفة لنصوص القرآن القطعية الدلالة والمجمع عليها في الملة،
دع مخالفتها للأحاديث الصحيحة عند جميع حفاظ السنة، وتجد الكثير منها في كتب
المتصوفة كالشيخ أحمد التيجاني الذي ضل بطريقته الألوف والملايين من أهل
إفريقية، ولا سيما الجزائر، ولولا أن في كتب بعض المشهورين بالولاية والعلم
كالشعراني إثباتا لهذه الدعوى بدعوى أخرى هي ما يسمونه بالكشف لكفي المسلمون
هذا الشر المستطير.
لقد كان الضرر والفساد لهذه الدعوى كبيرين، ولم نر لها أدنى فائدة توازي
أدنى غائلة منها، وعلماء أصول الدين وعقائده وأحكامه متفقون على أن الكشف
والإلهام ليس من أدلة الشريعة، ولا يثبت به حكم، ولا تقوم به حجة، قال في
جمع الجوامع وشرحه: لعدم ثقة من ليس معصوما من الأولياء بخواطره، لأنه لا
يأمن دسيسة الشيطان فيها، وأهل السنة لا يقولون بعصمة أحد في إلهامه وغيره إلا