تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والشهادة لكتبهم التي بين أيديهم بالصحة.

ونكتفي في هذه وهي شرها بما نقله الحافظ ابن كثير عنه في تفسير قوله

تعالى: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من

الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم

يعلمون} (آل عمران: 78) قال: قال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل

كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل،

وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند

الله} (آل عمران: 78) فأما كتب الله فإنها محفوظة ولا تحول، رواه ابن أبي

حاتم.

(قال ابن كثير) : فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك فلا شك أنه قد دخلها

التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ

كبير وزيادات كثيرة، ونقصان ووهم فاحش، وهو من باب تفسير المعرب

المعبر [1] وفهم كثير منهم - بل أكثرهم بل جمعيهم - فاسد. وأما إن عنى كتب

الله التي هي كتبه من عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء) اه.

أقول: إن ابن كثير قد علم من حال كتب أهل الكتاب ما لم يكن يعلم أئمة

الجرح والتعديل ممن فوقه كأحمد وابن معين والبخاري ومسلم الذين لم يروا هذه

الكتب كما رآها، ولم يطلعوا على ما بينه المطلعون عليها قبله من تحريفها

وأغلاطها ومخالفتها لما نقطع به من أصول الإيمان بالله ورسوله إلخ، كابن حزم

وابن تيمية أستاذه، ولو علم أولئك ما علمه هؤلاء من ذلك لجزموا بأن وهبا كان

كذابا غاشا للمسلمين بصلاحه، ولم يقبلوا له رواية قط، كما كانوا يجزمون بجرح

من يقول في الدين بدون ما زعمه من كون التوراة والإنجيل اللذين في أيدي أهل

الكتاب كما أنزلهما الله تعالى لم يتغير منهما حرف واحد. وإن تحريفهم لهما إنما

كان في تأويلهما، وفي نسبة بعض المسائل التي ليست فيهما إليهما، أي كما يفعل

المبتدعون في الإسلام والمتعصبون للمذاهب في تأويل القرآن والحديث لإثبات

بدعهم ومذاهبهم، وكما أراد ابن كثير عفا الله عنه أن يلتمس لوهب تأويلات

كتأويلات متعصبي المذاهب لمشايخهم، ولو نقل هذا القول عن جهمي أو معتزلي

أو شيعي لقطع هو وأمثاله بخروجه به من الملة، فهذا التأويل بديهي البطلان؛ لأن

كل أحد يجزم بأن وهبا يتكلم عن التوراة والإنجيل الموجودين في الأرض لا عن

اللوح المحفوظ، ولا عن علم الله عز وجل، وعن كلامه الذي هو صفة من صفاته.

ولو أردنا أن نجمع من تفسير ابن كثير وحده ما فيه من الإسرائيليات وغيرها عن

وهب نفسه وعن صنوه في روايتها كعب الأحبار، وننتقدها لألفنا في ذلك كتابا

خاصا، مع العلم بأن ابن كثير رحمه الله تعالى يحترس مما لم يحترس غيره منها،

وأما إذا رجعنا إلى كتب القصاصين والمفسرين الذين جمعوا كل ما سمعوا فإننا نجد

هنالك العجب العجاب والذي يقال فيه: إنه لا تلبس عليه ثياب، ويا حسرتا على

من يظنون أن سنة النبي المختار، تزول الثقة بها بجرح وهب وكعب الأحبار

اه.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) وفي نسخة مكتبة الأزهر: المعبر المعرض، ولعل مراده بالمعبر العبري أي العبراني.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٠١