وطلب من عبد الله رضا أن يقوم ويبايع عن أهل جدة بملكية الحجاز.
ثم قام حضرة الفاضل بكر ناظر فتكلم كلمة تناسب المقام، وتلاه الشاب
الناشئ شاكر بن محمد عامر الزبدي فألقى خطابا كان له وقع حسن، وتبعه حضرة
الفاضل صدقة منصور فتكلم موجزا تاريخ العلاقات بين أمراء جزيرة العرب، وما
أدى (إليه) النزاع الذي كان بين الحجاز ونجد إلى أن وفق الله الكريم بفضله،
وتوحدت الكلمة بين البلدين، ثم أثنى على همة جلالة الملك بما هو أهله.
ثم تكلم عبد الرحمن بشناق بصوت جهوري مخاطبا جلالة الملك بأن الله ما
أعطاك هذا العطاء إلا لأنك سائر في مرضاته، ودعا الله للأمة بالتوفيق.
ثم تكلم صديقنا الشيخ عبد العزيز العتيقي، فذكر طرفا من سيرة الأمة زمن
السلف الصالح، ولزوم الاستمساك بذلك الحبل المتين، ليرجع للمسلمين ما كان لهم
من عز وسؤدد.
***
خطاب ملك الحجاز بعد البيعة
ولما انتهى الخطباء من خطبهم أقبل جلالة الملك على الحشد المجتمع بوجهه
الطلق ولسانه العذب، فحمد الله بما هو أهله، وسأله المعونة على الأعمال، ثم
انطلق انطلاق السيل يعظ ويرشد ويدعو للاعتصام بكتاب الله وإلى التوحيد
الخالص، بأسلوب يسترعي الأسماع ويأخذ بالألباب، ثم قال:
(أوصيكم بتقوى الله في جميع أعمالكم، أوصي الجميع بالتقوى، كل يجب
أن يتقي الله في عمله، التاجر في تجارته، والصانع في صنعته، والموظف في
وظيفته، أسمع خطباءكم يقولون: هذا إمام عادل، وهذا كذا، فكل رجل مهما بلغ
من المنازل العليا إذا لم يكن يخشى الله ويطلب مرضاته فلا أثر له ولا لعمله، فمتى
تركت الشهوات، وهجرت المحرمات، وعبدنا الله على بصيرة، لاقينا الخير كله،
وهل جاء البلاء للناس إلا من اتباع شهوات النفوس التي فيها خراب الدين والدنيا؟
لذلك أدعوكم إلى الدين، واتباع آثار السلف الصالح، وأن نتخذ الصراحة في
القول، وأن نترك الرياء والملق في الحديث، ومتى اتفق الأمراء والعلماء، كل
واحد منهم يستر على صاحبه، فالأمير يمنح المراتب، والعلماء يدلسون ويتملقون،
ضاعت أمور الناس، وفقدنا - والعياذ بالله - الآخرة والأولى، إنه لم يفسد الممالك
إلا الملوك وأحفادهم وخدامهم، والعلماء وأعوانهم، وإنني والله لأود أن لا أكون
في هذا المقام، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
(إن الأمر - والحمد لله - قد استتب في البلاد على أحسن حال، ولم يبق
لأحد حجة في النكوب عن العمل الصالح، ولينصرف كل إنسان لإصلاح عمله) .
(إن التمدن الذي فيه حفظ لديننا وأعراضنا وشرفنا فمرحبا به وأهلا، وأما
التمدن الذي يؤذينا في أدياننا وأعراضنا وشرفنا، فوالله لو قطعت منا الرقاب
وذهبت فيه العيلات، لم نرضخ له ولم نعمل به) .
(إني أحمد الله الذي جمع الشمل وأمن الأوطان، وإن لكم علي عهد الله
وميثاقه أنني أنصح لكم كما أنصح لنفسي وأولادي وعائلتي، أحبكم في الله وأعاديكم
فيه) اه.
وقد تعالت الأصوات من الحاضرين (جزاك الله خيرا جزاك الله خيرا) .
وقد كانت القهوة العربية تدار على الحاضرين حينا بعد حين، ثم انصرف
الناس من مجلسهم فرحين مسرورين اه.
-----------------
<span class="footnote">
(1) (آل عمران: 26) .</span></span>
الكاتب: أبو الحسنات الندوي
-----------------
<span class="footnote">