واعتقادهم في فرنسة أسوأ، فإنني والحق أقول: قد سمعت من بعض كبراء دمشق
قبل نكبتها أن المسلمين يعتقدون أن فرنسة وإنكلترة متعاونتان على إبادة مسلمي
سورية وفلسطين، وجعلهما للنصارى واليهود، فكيف يكون رأيهم بعد تلك، وما
جرى فيها وبعدها من الأهوال، وتقتيل النساء والأطفال؟ ولا أقصد به إغراءهم
بنبذ سلطانها المسمى بالانتداب، فإنه من تحصيل الحاصل، فهم يصارحونها بذلك،
وليس بعد الثورة الحاضرة - التي جاءت بعد ثورات كانت دونها خفاء - حجة،
وإنما أريد به إقامة الحجة على رجال فرنسة الذين تولوا والمتولين الآن لأمر سورية
بأن المسلمين يعتقدون أن كل خلاف وشقاق في البلاد ففي يد فرنسة إزالته بالحق
والعدل.
سبق أن قلت لموسيو (روبيردوكيه) على عهد الجنرال (غورو) في شهر
مارس سنة 1920: اضمن لي النصارى وأنا على ضعفي أضمن لك المسلمين
أو المحمديين كافة ولا أستثني الدروز، وقلت مثل هذا في هذه الأيام [1] لموسيو
(جوفنيل) المفوض السامي الجديد لسورية، وقلت مثله فيما بين ذلك لسعادة سفير
فرنسة المفوض في مصر ليبلغه، وإني أذكر به من سمعه مني، وأبلغه
لوزارة الخارجية ووزارة المستعمرات الفرنسيتين، وكل منهما تطلع على جميع ما يكتب في المنار عن فرنسة، وتعلمان أن المنار لسان صدق لا لسان دعاية وفتن،
فعسى أن يظهر لأحد من المطلعين على حجتنا خطأ سياستهم الماضية،
فيبحثوا عن المخرج فيجدوه.
بل شرحت للأول في بيروت وللأخير في مصر الوسيلة الوحيدة التي يمكن
لفرنسة أن ترضي بها أهل سورية كافة بالحق والعدل والمصلحة المتبادلة، وتربح
بها مودة الأمة العربية والشعوب الإسلامية أيضا، وقد قال لي موسيو (روبيردوكيه)
على غلوه في الاستعمار ووضعه لأساس التفريق والشقاق في البلاد: إن هذه الخطة
معقولة قابلة للتنفيذ لا خيالية، ولكن تحتاج إلى درس مع العقلاء في صفه تنفيذها،
وأحب أن نعود إلى البحث فيها، أقول: ولكن حال سفري دون ذلك، وسأبينها في
الفصل الأخير من هذا المقال بعد الكلام على سياسة موسيو (دي جوفنيل) .
(للكلام بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) بدأت بكتابة هذا مقال منذ أشهر، واقتضت الحال تأخير نشره.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">