وإذا تفكرنا على هذا النهج جزمنا بأن الصحة الحقيقية لا يتمتع بها إلا من
كان شخصا أيدا [10] قوي الأساطين، وثيق الأركان، ليس بسمين سمنا مفرطا، ولا
هزيل هزالا شديدا، سليم الأسنان والعينين والأذنين، نظيف الأنف طاهره من
المخاط، نظيف الفم، يعرق جلده بسهولة، سليما من النتن، وهو فوق ذلك قابض
على أزمة عقله ومشاعره بكل قوة، إن الفوز بمثل هذه الصحة صعب جدا، وإن
فزنا بها مرة، فالمحافظة عليها أصعب.
إن السبب الجوهري الذي يحول بيننا وبين الصحة الحقيقية هو ضعف صحة
آبائنا وأجدادنا، وقد قال كاتب شهير: إن تكن حالة الآباء حسنة فحالة أولادهم لا
بد من أن تكون أحسن وأعلى منهم، فإن كان هذا القول صحيحا، فيضطر الذين
يقولون بأن الدنيا تتقدم إلى تغيير رأيهم. إن المتمتع بالصحة التامة لا يخاف
الموت، وإن جزعنا وفزعنا من الموت لدليل قاطع على أننا لسنا بأصحاء كما
ينبغي؛ لأن الموت ليس إلا انقلابا كبيرا في حياتنا، فينبغي أن نعده خيرا ونافعا لنا
بحسب سنن الطبيعة [11] ، وأن من الواجبات الصريحة على كل واحد منا أن ينشد
الصحة التامة، وهذا هو ما ساقنا إلى البحث في الأوراق التالية عن الطرق التي
توصلنا إلى مثل هذه الصحة، وعن الطرق التي تضمن لنا بقاءها ودوامها إذا فزنا
بها.
(للبحث بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) للمترجم مقدمة غير مقدمة المؤلف سننشرها بعد.
(2) المنار: إنما يصح هذا القول - دون تعليله - من بعض الوجوه في نعيم الدنيا وعذابها، فإن للأذهان والتصورات تأثيرا عظيما فيها، وأما نعيم جنة الآخرة وعذاب جحيمها فمن عالم الغيب الذي هو أعلى من ذهن ملتون وعلومه فليس له أن يحكم فيه.
(3) يعني: أجله الطبيعي الذي كان مستعدا له بحسب قوة بنيته لا الأجل المكتوب له عند الله تعالى، أي أجل الجبان الذي يجني على نفسه من حيث يظن أنه يحافظ عليها.
(4) المنار: الأولى أن يقال: إن يساعد الطبيعة أي المزاج على إزالة ذلك، ويدخل في هذه المساعدة الحمية والتدفئة في محلها - وكذا الأدوية - ولكن يحسن التروي في استعمالها وعدم الإسراف فيه والاتكال عليه.
(5) المنار: لعل هذه التجربة وهمية فإن كثرة الأطباء ليست سببا طبيعيا ولا عقليا لانتشار الأمراض وكثرتها، بل المعقول أنها سبب للعلم بما لم يكن يعلم منها، فيظن غير المدقق أنهم سبب لها، فإن كان بعض الأمراض أو المرضى يزيد بجهل بعض الأطباء فلا شك في أن بعضا آخر هم سبب قضائه.
(6) أي ملح الفواكه.
(7) المنار: إنما يصح هذا بإطلاقه على بعض المذاهب، وأما عندنا فإطلاقه من باب (الحج عرفة) أي ركنه الأهم الأعظم عرفة، وكذلك الروح هي معظم الإنسان ولبه وجوهره ولكن الجسد ركن متمم لحقيقة الإنسان، ولولاه لكان ملكا أو شيطانا، وبه صار أجمع منهما للحقائق الكونية ومتصرفا في المخلوقات بأنواعها، ولو كان الجسد كالظرف للروح كما قال أو كالقفص للعصفور كما قال بعض الصوفية باعتبار آخر لكان إنسانا بدونه، وليس كذلك بل يكون بدونه روحا لا إنسانا، وتمثيل المؤلف بالوردة وما ذكره بعده أشد انطباقا على ما قلناه.
(8) الصواب أن جسم الوردة الملون هو الذي يعد كجسد الإنسان لا اللون، فإنه عرض له.
(9) المراد أعراض أمراض نفسية وعقلية.
(10) الأيد كسيد: القوي الشديد من آد يئيد أيدا.
(11) ذكرنا هذا المعنى في مرثية لنا نظمناها في أوائل طلب العلم؛ قلنا في أولها:
إن المنية غاية الميلاد ... والنعش مثل المهد للأولاد
والله قد خلق الخلائق للبقا ... بعد الفنا وزيارة الألحاد
والموت باب النشاة الأخرى لنا ... وبها كمال الخلق والإيجاد
(ومنها) :
... ... ... ... وانظر لموت الناس بالعين التي ... ترنو بها لولادة الأولاد
... ... ... ... هاتيك مبدأنا وهذا خاتمنا ... طرفان مستويان للنقاد