أولئك الذين لا يحبون المعاذير، بل ينشدون المعرفة والعلم والعمل.
إني لا أزعم أن الحقائق التي أودعتها في هذا الكتاب لم يسبق إليها أحد قبلي،
ولكن سيجد القراء فيه لباب كتب كثيرة في هذا الموضوع، فإني ما أقدمت على
التأليف إلا بعد درس هذه الكتب درسا وافيا، وبعد المرور على سلسلة من التجارب
الجدية الشخصية، وعدا هذا فإن قرائي الذين ليس لهم سابق معرفة بالموضوع
سيسلمون من التحير والارتباك في تمحيص الحق من الآراء المتضاربة المتناقضة
التي شحن بها الأطباء كتبهم، فبينما يقول كاتب: إن الماء الساخن يجب استعماله
في حالة خاصة، إذا بالآخر ينقض قوله زاعما أنه يجب استعمال الماء البارد فيها،
ولكني قد درست هذه الآراء المتناقضة درسا وافيا بكل تنبه ويقظة، حتى أمكنني
أن أؤكد لقرائي أنه يحسن بهم الاعتماد على أفكاري الخاصة.
لقد تعودنا دعوة الأطباء حتى في أخف الأمراض، وإن عجزنا عن دعوتهم
عملنا بإشارات المتطببين الجاهلين، وما ذلك إلا لأنا قد خدعنا بخداع فظيع،
فأصبحنا نعتقد أنه لا يمكن شفاء المرض إلا بالدواء، إن هذا الوهم لشر الأوهام،
وهو العلة لأكثر متاعب النوع البشري ومصائبه، نعم يجب معالجة الأمراض التي
تعترينا، ولكن ليس (بالأدوية) التي لا يقتصر أمرها على عدم الفائدة، بل قد
تكون ضارة أيضا، إن انكباب المريض على العقاقير والأدوية حماقة لا تقل عن
حماقة الذي يحاول تنظيف البيت بتغطية الأوساخ المتراكمة فيه عوضا عن إزالتها،
فكلما ازداد عناية في تغطيتها تزداد هي عفونة ونتنا، وهكذا تغطية الأمراض
بالأدوية في الجسم الإنساني.
إن المرض ليس إلا (إنذارا) من الطبيعة بأن الأوساخ قد تراكمت في جزء
من أجزاء البدن، فمن الكياسة إذا أن نترك الطبيعة تزيل الوسخ بنفسها [4] لا أن
نحول بينها وبين وظيفتها بتغطية المرض بالأدوية، إن الذين يستعملون الأدوية إنما
يضاعفون صعوبة وظيفته الطبيعة، مع أنه من السهل جدا أن يعينوها في مهمتها
برعاية القواعد الأولية اللازمة للصحة، كالصوم الذي يمنع تراكم الوسخ،
وكالرياضة المتعبة في الهواء الطلق التي تزيل بعض الأوساخ وتخرجها في صورة
العرق، وإن هناك أمرا هو رأس الأمور وعمادها في جميع الأحوال وهو أن نظل
دائما ضابطين لعقلنا وشعورنا.
لقد جربنا أن قارورة واحدة من الدواء إذا دخلت مرة في البيت لا تخرج منه
أبدا، بل لا تزال تدعو وتجلب من أخواتها قوارير أخرى، لقد وجدنا جما غفيرا
من الناس يشكون أمراضا طول عمرهم مع شدة شغفهم بالأدوية وتهافتهم عليها،
فتراهم يقرعون اليوم باب هذا الطبيب، وغدا يجرون وراء ذلك الطبيب، وهكذا
يقضون أعمارهم في البحث عن نطاسي يعالجهم ويشفيهم من أوصابهم، ولكن
هيهات أن يفوزوا ببغيتهم وينالوا الصحة والعافية! لقد صدق جوستيس اسطفان
Stephen Justice في قوله: (إن من العجب العجاب أن يعالج الأطباء
الأبدان التي يجهلونها بالعقاقير التي قلما يعرفون حقيقتها!) ، وقد أيد عدد من أعظم
أطباء الغرب هذا الرأي نفسه فاعترف الدكتور إستلي كوبير Cooper istLei
مثلا بأن علم الأدوية أكثره تخرص محض وقال الدكتور جوهن فيوربس
Feorbes n. Jot Sir: (إن معظم الأمراض تشفى بعوامل الطبيعة أكثر
من شفائها بالأدوية) وقال الدكتور باكير Baker والدكتور فرانق Frank:
(إن عدد الذين يموتون بالأدوية أكثر من عدد الذين يموتون بالأمراض)
وقد توسع الدكتور موزونغود Mosongood. حتى قال: (إن ضحايا
الأدوية أكثر من ضحايا الحروب والجدوب والأوبئة بمجموعها!) .
وكذلك مما قد جرب أنه إذا كثر الأطباء في بلد ازدادت فيه الأمراض انتشارا
على قدر عددهم [5] . وقد قويت الرغبة في الأدوية هذه الأيام وازدادت ازديادا
عظيما حتى إن أحقر الصحف السيارة أيضا قد أصبحت تعتقد أنه إذا لم يسعدها