تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالمناجزة، ولكنه على شجاعته يكره سفك الدماء، فيقف فيه عند حد الضرورة،

وما زال يضيق عليهم الخناق حتى نزلوا على حكمه وخضعوا لأمره، فأزال

إمارتهم بضمها إلى إمارته، وحجته أن قطرا واحدا يتفق أهله في اللغة والدين

والعادات لا يجوز شرعا ولا مصلحة أن يكون فيه حكومتان تتقاتلان وعلمان

يتنافسان، وقد وضع من بقي من أسرة آل الرشيد عنده في الرياض، يعاملهم فيها

معاملة أولاده وأهل بيته سواء.

وكان قبل ذلك قد وجه عزمه إلى أخذ سواحل نجد التي على خليج فارس

المعروفة بالحسا من الترك (ويسميها الترك متصرفية نجد) ففاز بذلك، ولكن

الترك رأوا أن يصالحوه كما صالحوا إمام اليمن، ويجعلوه صديقا لهم بدلا من

الاستمرار على سفك دماء جيوشهم في بلاد العرب هدرا من غير فائدة سياسية ولا

اقتصادية كما جربوا في القرون الماضية، فعقدوا معه اتفاقا رسميا اعترفوا له فيه

بأن بلاد نجد إمارة مستقلة، وأن الحكم فيها له ولذريته من بعده بالإرث،واشترطوا

فيه شروطا هي نافعة له غير ضارة، ككونه إذا احتاج إلى ضباط ينظمون

جيشه أو سلاح ونحوه يطلبه من الدولة دون الأجانب إلخ.

صارت نجد في أيامه إمارة كبيرة أحسن إدارتها، وحفظ الأمن فيها ونظم

الدعوة لنشر الدين والحضارة في قبائلها والقبائل المجاورة لها، كما نظم فيها القوة

المقاتلة تنظيما كافيا لحفظها والأمن من اعتداء أحد من المجاورين لها عليها،

ولكنه ليس تنظيما فنيا كجيوش دول الحضارة المعروفة، على أن كبرى الدول

صارت تحسب لقوته في البلاد المجاورة له ألف حساب، وخطبت مودته الدولة

البريطانية، وحاولت أن تستعين به على قتال الترك في العراق فأبى، وعقدت معه

اتفاقا اعترفت له فيه بسيادته على نجد وملحقاتها، ومنها ما كان بيد الدولة العثمانية،

وفي ذلك الاتفاق تقييد لاستقلال نجد الخارجي لا تشعر به حكومتها إلا إذا أرادت

الخروج من عزلتها ومعاملة العالم، فإن لم يكن ألغي فقد صار إنفاذه اليوم أسهل مما

كان بالأمس؛ لأن الدولة البريطانية أحوج إلى موادة ملك الحجاز وسلطان نجد اليوم

منها إلى سلطان نجد وحدها بالأمس، ولا تزال حريصة عليها في الظاهر، وإن

كانت تكيد له في الباطن، على أنه هو قد صرح في مكة بأن استقلاله مطلق لا

نفوذ عليه ولا في بلاده لأجنبي قط.

فعل كل هذا عبد العزيز آل سعود، وما هذا بقليل على مثله في هذا الزمن

القصير، وهو مع هذا في منتهى التواضع في معيشته وحكمه ومعاشرته للناس من

أهل بلاده وغيرهم، لم تجنح نفسه للترف والنعيم، ولا للزينة والزخرف غير

المعتاد أو المحظور شرعا، ولا للعظمة والكبرياء، ولا للتمتع بالألقاب الضخمة،

ولا لتسمية أعوانه بالوزراء والحجاب، ولا للإنعام عليهم بالرتب وشارات الشرف

كما فعل الملك حسين، وكذا ولده عبد الله في إمارته الصغيرة الحقيرة التي هو

فيها تحت سيطرة الأجانب وخدمتهم - ولا بث دعاية لنفسه ولا لقومه في البلاد

العربية، ولا غيرها من البلاد الإسلامية، لا باسم الوحدة العربية ولا بعنوان

الجامعة الإسلامية، ولا اصطنع جريدة ولا بذل للمادحين ولا للناقدين درهما ولا

دينارا، وهو لا يبالي بالأقوال، وإن كان يبالي بها ويهتم بأمرها ساسة الدول

الكبرى، ويبذلون في سبيلها الملايين. ومن المعلوم أن حاله غير حالهم، وماله

غير مالهم، وبيئته غير بيئتهم، وقد سخر الله له كثيرين يعملون للمصلحة التي

يبغيها لا له، فأغناه عن استئجار الأقلام المنافقة.

وقد ناصبه الشريف حسين وأولاده العداء منذ صار أمر الحجاز بأيديهم،

وكادوا له وتحرشوا به مرارا، كان أقواها زحف الشريف عبد الله على (الخرما

وطربة) بأعظم قوة منظمة وجدت في الحجاز عقب استيلاء حسين على المدينة

المنورة، وخروج الجيش التركي منها بانكسار دولته ودول أحلافه، فكسره الإخوان

شر كسرة، ومزقوا شمل جيشه المنظم، وفر هو منهزما يحاكي الإخوان من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٧٢