فحسبك به، وكان ابن مسعود وابن عباس نقلوا عنه [2] من التفسير ما لا يحصيه
إلا الله، والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.
***
أسباب الاختلاف في التفسير المأثور
فإن قال قائل: قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافا كثيرا، ولو كان ذلك
معلوما عندهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا. فيقال: الاختلاف
الثابت عن الصحابة بل وعن أئمة التابعين في القرآن أكثره لا يخرج عن وجوه:
(أحدها) أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه
فالمسمى واحد، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، مع أن كلاهما
حق بمنزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى، وتسمية الرسول - صلى الله عليه
وسلم - بأسمائه، وتسمية القرآن العزيز بأسمائه، فقال تعالى: {قل ادعوا الله أو
ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (الإسراء: 110) ، فإذا قيل:
الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام فهي كلها أسماء لمسمى واحد سبحانه وتعالى،
وأن كل اسم يدل على نعت لله لا يدل عليه الاسم الآخر، ومثال هذا من التفسير
كلام العلماء في تفسير الصراط المستقيم، فهذا يقول: هو الإسلام، وهذا يقول:
هو القرآن: أي اتباع القرآن، وهذا يقول: السنة والجماعة، وهذا يقول: طريق
العبودية، وهذا يقول: طاعة الله ورسوله، ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه
الصفات كلها ويسمى بهذه الأسماء كلها، ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على
النعت الذي به يعرف الصراط، وينتفع بمعرفة ذلك النعت.
(الوجه الثاني) أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه
على سبيل التمثيل للمخاطب لا على الحصر والإحاطة، كما لو سأل أعجمي عن
معنى لفظ الخبز فأري رغيفا، وقيل: هذا. فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه لا
إلى ذلك الرغيف خاصة، ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: {فمنهم ظالم
لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} (فاطر: 32) فالقول الجامع أن
الظالم لنفسه: المفرط بترك مأمور أو فعل محظور، والمقتصد: (القائم) بأداء
الواجبات وترك المحرمات، والسابق بالخيرات بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله
بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق.
ثم إن كلا منهم يذكر نوعا من هذا (فإن قال قائل) : الظالم: المؤخر للصلاة
عن وقتها، والمقتصد: المصلي لها في وقتها، والسابق: المصلي لها في أول وقتها
حيث يكون التقديم أفضل، وقال آخر: الظالم لنفسه هو البخيل الذي لا يصل
رحمه ولا تمام [3] زكاته، والمقتصد:القائم بما يجب عليه من الزكاة، وصلة
الرحم، وقرى الضيف، والإعطاء في النائبة، والسابق: الفاعل للمستحب بعد
الواجب كما فعل الصديق الأكبر حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد
شيئا. وقال آخر: الظالم لنفسه: الذي يصوم عن الطعام لا عن الآثام،والمقتصد:
الذي يصوم عن الطعام والآثام، والسابق: الذي يصوم عن كل ما لا يقربه إلى الله
تعالى، وأمثال ذلك - لم تكن الأقوال [4] متنافية، بل كل ذكر نوعا مما تناولته
الآية.
(الوجه الثالث) أن يذكر أحدهم لنزول الآية سببا، ويذكر الآخر سببا آخر
لا ينافي الأول، ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعا أو نزولها مرتين مرة لهذا
ومرة لهذا، وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض، فهذا قليل
بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه، كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة: كبعض
مسائل الصلاة والزكاة والصيام والحج والفرائض والطلاق، ونحو ذلك - لا يمنع أن
يكون أصل هذه السنن مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجملها منقولة
عنه بالتواتر.
وقد تبين أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه - صلى
الله عليه وسلم - أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وقد قال
غير واحد من السلف: إن الحكمة هي السنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا