الأشخاص أو الأمم الخارجية، وأنه لو جاء موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة
والسلام، وسمعوا كلامه يغضبون عليه غضبا شديدا، ومع ذلك هو لا يبالي بهم،
ويريد أن يرفع اسم اليهود والنصارى والمسلمين من بين أفراد الشعب الذي يحكمه،
هل هذا الرجل (يعد) مسلما؟ أفتونا مأجورين اه، الاستفتاء.
(جواب المنار)
هذه الكلمة التي قالها فيصل ملك العراق البريطاني هي هجيرى فريقين من
الناس: دعاة اللادينية، وأعداء الرابطة الإسلامية، الذين يرى القارئ بعض
مقاصدهم في مقالنا الخاص بالمسألة السورية - وقد فصلناه من قبل في مقالات
كثيرة - ولقد كان فيصل في غنى عن اتباعهم وعن الحكم بهواه على ما يرضي
رسل الله صلواته وسلامه عليهم وما يغضبهم، لو كان حريصا على مظاهر الدين
الذي نشأ فيه، نعم كان يسعه أن يدعو اليهود إلى الاتفاق مع المسلمين والنصارى
في التعاون على ترقية العمران في العراق، فإن ذلك لا ينافي استمساك كل منهم
بدينه.
إن كان فيصل يعرف عقائد الإسلام وقواعده التي يكون بها المسلم مسلما،
ويؤمن بما جاء في كتاب الله تعالى وبما أجمع عليه المسلمون منها، فعليه إذا لم
يقل بها ويدع إليها أن يسكت عنها، أو أن لا يصرح بمخالفتها، وهذا أقل ما يباح
له في مثل ذلك الموقف.
إن حكم الإسلام في الاختلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في الدين هو
أن دين الله تعالى على ألسنة رسله واحد وهو الإسلام، قال تعالى: {إن الدين عند
الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (آل عمران: 19) الآيات، وهو واحد في العقائد والمقاصد، ولكنه مختلف في
الشرائع العملية والمناهج، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو
شاء الله لجعلكم أمة واحدة} (المائدة: 48) ، ومن أصول الإسلام أن محمدا خاتم
النبيين صلى الله عليه وسلم وأن بعثته عامة، وأنه لا يعتد بدين أحد بلغته دعوته
إلا إذا اتبعه، وأن موسى صلى الله عليه وسلم لو كان حيا ما وسعه إلا اتباعه،
وكذا غيره من الرسل {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم
جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم
إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} (آل عمران: 81) .
إن كان فيصل ملك العراق البريطاني مؤمنا بما ذكر فالواجب عليه أن يقول:
لو جاء موسى وعيسى ومحمد - عليهم صلوات الله وسلامه بالرغم من كل منافق
وكافر مجاهر - لغضبوا غضبا شديدا من ترككم لوحدة الإسلام، وعدم اتباع خاتم
الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام، الذي بعث هاديا لإزالة الاختلاف
والاختصام، وناسخا لما كان من الاختلاف في الشرائع والأحكام، وداعيا إلى ما
يحبه الله ويرضاه من الإخاء الإنساني العام، ومحرما لعصبيات الأجناس والأوطان
والآيات والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة، والتفرقة بين من يؤمن بخاتم الرسل ويتبعه ومن يكفر به ويخالفه معلومة بالضرورة، لا يسع مسلما جهلها، ومن أنكرها وخالفها لا يعد مسلما، ولا أن يعامل معاملة المسلمين في ولاية عامة ولا خاصة ولا زواج ولا إرث ولا غير ذلك، ولولا أن أهل العراق خانعون لسلطة أجنبية قاهرة لطالبه علماؤهم من السنة والشيعة جميعا أن يصرح بعقيدته، ويتبرأ مما تبادر
إلى أذهان الناس الذين قرأوا خطبته في كل قطر من مخالفة ما ذكر، ويعتذر
عنه بأنه لم يكن يريد بما ذكر في الخطبة ما يخالف شيئا من تلك الأصول الاعتقادية
القطعية في الإسلام، ولكن العبارة كانت قاصرة - مثلا - أو يجدد إسلامه.
إذا كان فيصل يجهل ما لا يسع مسلما جهله من عقائد الإسلام وأصوله، فهو
بدين اليهود والنصارى وتاريخهما أجهل؛ لأنه لم يتلق علوم الدين ولا غيرها عن
العلماء فيتكلم عن علم، وجل ما يعلمه مقتبس من الجرائد وأحاديث المجالس، ليس