تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيحتاج أن يعبد المخلوقات إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر: كالشمس

والقمر والبشر والأوثان وغير ذلك، فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم،

وهم لا يوحدون الله سبحانه وتعالى، وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين

المخلوقات، فهم بربهم يعدلون؛ ولهذا حدث الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب

إلى الهند وقال: إن أرض الإسلام لا تسعه. لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء

حتى النبات والحيوان.

وهذا حقيقة قول الاتحادية، وأعرف ناسا لهم اشتغال بالفلسفة والكلام، وقد

تألهوا على طريق هؤلاء الاتحادية، فإذا أخذوا يصفون الرب سبحانه بالكلام قالوا:

ليس بكذا ليس بكذا، ووصفوه بأنه ليس هو المخلوقات كما يقوله المسلمون، لكن

يجحدون صفات الخالق التي جاءت بها الرسل عليهم السلام، وإذا صار لأحدهم

ذوق ووجد تأله وسلك طريق الاتحادية، وقال: إنه هو الموجودات كلها، فإذا

قيل له: أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال: ذلك وجدى، وهذا ذوقي، فيقال

لهذا الضال: كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد، فأحدهما أو كلاهما باطل، وإنما

الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات، فإن علم القلب وحاله متلازمان

فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال، ولو سلك هؤلاء طريق

الأنبياء والمرسلين عليهم السلام الذين أمروا بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له،

ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، واتبعوا طريق السابقين

الأولين - لسلكوا طريق الهدى، ووجدوا برد اليقين وقرة العين، فإن الأمر كما قال

بعض الناس: إن الرسل جاؤوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، والصابئة المعطلة

جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فالقرآن مملوء من قوله تعالى في الإثبات:

﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ (التوبة: 115) ﴿على كل شيء قدير﴾ (البقرة:

20) وأنه ﴿سميع بصير﴾ (الحج: 61) ﴿وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾ (غافر: 7) وفي النفي ﴿ليس كمثله شيء﴾ (الشورى: 11) {ولم يكن له كفوا

أحد} (الإخلاص: 4) ﴿هل تعلم له سميا﴾ (مريم: 65) {سبحان ربك

رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين} (الصافات: 180-181) .

وهذا الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على الشيخ - أيده الله تعالى بالإسلام،

ونفع المسلمين ببركة أنفاسه وحسن مقاصده ونور قلبه - فإن ما فيه نكت

مختصرة، فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب، ولكن ذكرت للشيخ - أحسن الله

تعالى إليه - ما اقتضى الحال أن أذكره، وحامل الكتاب مستوفز عجلان، وأنا

أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين عامتهم وخاصتهم، ويهديهم إلى ما يقربهم،

وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير الذين قال الله سبحانه فيهم: {ولتكن منكم أمة

يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران: 104) انتهى.

-----------------

<span class="footnote">

(1) كذا في الأصل، ويراجع في رسالة إبطال وحدة الوجود (ص117) من مجموعة الرسائل والمسائل لشيخ الإسلام.

(2) كذا في الأصل، وفيه ما ترى، والمعنى أن ما في كتاب الفصوص من أمثال ما ذكر يفهم كل مسلم أنه مخالف لدين الله على ألسنة جميع رسله، وأنه مما يتبرأ منه عوام جميع الملل.

(3) قوله: في كتاب إلخ القطع غير متجه، وكتاب مفتاح غيب الجمع والوجود لصدر الدين الرومي القونوي هذا من شيخ الإسلام نقل مشاهد من كتابه هذا على ضلالته.

(4) تتمة الحديث (وإن الله ليس بأعور) رواه الشيخان من حديث ابن عمر، وهذا لفظ البخاري، وهذه الجملة هي محل التعجب الذي حمل ابن الخطيب وهو الفخر الرازي على إنكار الحديث.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٥٤