تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثالث من الهجرة إلى حد لم يسبق له مثيل في دين من الأديان، ثم انثلمت وحدة

الخلافة، فانقسمت إلى أقسام: خلافة عباسية في بغداد، وفاطمية في مصر

والمغرب، وأموية في أطراف الأندلس. تفرقت بهذا كلمة الأمة، وانشقت عصاها،

وانحطت رتبة الخلافة إلى وظيفة الملك، فسقطت هيبتها من النفوس، وخرج

طلاب الملك والسلطان يدأبون إليه من وسائل القوة والشوكة، ولا يرعون جانب

الخلافة.

وزاد الاختلاف شدة وتقطعت الوشائج بينهم بظهور جنكيز خان وأولاده،

وتيمور لنك وأحفاده، وإيقاعهم بالمسلمين قتلا وإذلالا حتى أذهلوهم عن أنفسهم

فتفرق الشمل بالكلية، وانفصمت عرى الالتئام بين الملوك والعلماء جميعا، وانفرد

كل بشأنه، وانصرف إلى ما يليه، فتبدد الجمع إلى آحاد، وافترق الناس فرقا،

كل فرقة تتبع داعيا إما إلى ملك أو مذهب، فضعفت آثار العقائد التي كانت تدعو

إلى الوحدة، وتبعث على اشتباك الوشيجة، وصار ما في العقول منها صورا ذهنية

تحويها مخازن الخيال وتلحظها الذاكرة عند عرض ما في خزائن النفس من

المعلومات، ولم يبق من آثارها إلا أسف وحسرة يأخذان بالقلوب عندما تنزل

المصائب ببعض المسلمين، بعد أن ينفذ القضاء ويبلغ الخبر إلى المسامع على

طول من الزمان، وما هو إلا نوع من الحزن على الفائت، كما يكون على

الأموات من الأقارب، لا يدعو إلى حركة لتدارك النازلة، ولا دفع الغائلة.

وكان من الواجب على العلماء قياما بحق الوراثة التي شرفوا بها على لسان

الشارع - أن ينهضوا لإحياء الرابطة الدينية ويتداركوا الاختلاف الذي وقع في

الملك بتمكين الاتفاق الذي يدعو إليه الدين، ويجعلوا معاقد هذا الاتفاق في مساجدهم

ومدارسهم حتى يكون كل مسجد وكل مدرسة مهبطا لروح حياة الوحدة، ويصير كل

واحد منها كحلقة في سلسلة واحدة إذا اهتز أحد أطرافها اضطرب لهزته الطرف

الآخر، ويرتبط العلماء والخطباء والأئمة والوعاظ في جميع أنحاء الأرض بعضهم

ببعض، ويجعلون لهم مراكز في أقطار مختلفة يرجعون إليها في شؤون وحدتهم

ويأخذون بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الأثر، ويجمعون أطراف

الوشائج إلى مقعد واحد يكون مركزه في الأقطار المقدسة وأشرفها معهد بيت الله

الحرام، حتى يتمكنوا بذلك من شد أزر الدين وحفظه من قوارع العدوان، والقيام

بحاجات الأمة إذا عرض حادث الخلل، وتطرق الأجانب للتداخل فيها بما يحط من

شأنها، ويكون كذلك أدعى لنشر العلوم وتنوير الأفهام وصيانة الدين من البدع، فإن

إحكام الربط إنما يكون بتعيين الدرجات العلمية وتحديد الوظائف، فلو أبدع مبدع

أمكن بالتواصل بين الطبقات تدارك بدعته ومحوها قبل فشوها بين العامة، وليس

بخاف على المستبصرين ما يتبع هذا من قوة الأمة وعلو كلمتها واقتدارها على دفع

ما يغشاها من النوازل.

ألا إنا نأسف غاية الأسف إذ لم تتوجه خواطر العلماء والعقلاء من المسلمين

إلى هذه الوسيلة، وهي أقرب الوسائل وإن التفت إليها في هذه الأيام طائفة من

أرباب الغيرة. ورجاؤنا من ملوك المسلمين وعلمائهم من أهل الحمية والحق أن

يؤيدوا هذا الفئة، ولا يتوانوا فيما يوحد جمعهم ويجمع شتيتهم، فقد دارستهم

التجارب ببيان لا مزيد عليه، وما هو بالعسير عليهم أن يبثوا الدعاة إلى من يبعد

عنهم، ويصافحوا بالأكف من هو على مقربة منهم، ويتعرفوا أحوال بعضهم فيما

يعود على دينهم وملتهم بفائدة أو ما يخشى أن يمسها بضرر، ويكونون بهذا العمل

الجليل قد أدوا فريضة وطلبوا سعادة، والرمق باق والآمال مقبلة، وإلى الله

المصير.

-----------------

<span class="footnote">

(1) نشرت في العدد الخامس من جريدة العروة الوثقى الذي صدر بباريس في 14 جمادى الآخرة

سنة 1301، و10 إبريل 1884، ونشرناه الآن لتجدد الحاجة إليه كيوم نشر، ومنه بيان رأي

حكيمي الأمة السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده في مقام الخلافة الإسلامية الناقض لرأي الشيخ

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٤٣