والقتال يرجى أن تنتصر عليها - وأعني فضيلة الحق والعدل والعمران - وأن
الثورة هي التي يمكن أن توصل إلى محبي الحق والعدل والعمران صوت سورية
الذي عجز عن إيصاله إليهم أحرار السوريين بالحجج والبراهين التي يدلون بها كل
عام، وعند كل حادثة عظيمة وخطب فادح بما يخاطبون به جمعية الأمم وكبريات
الدول وفي مقدمتهم فرنسة، وما ينشرونه في جرائد العالم؛ فيتصدى لتكذيبهم
والطعن فيهم أنصار الأحزاب المالية والعسكرية والجزويتية الذين يستغلون سورية
بما قدمنا أنه ضار بفرنسة حكومتها وأمتها لا بالسوريين وحدهم، ويظنون أن
هؤلاء يمكن أن يؤلفوا مع طلاب الاقتصاد والأحزاب المعارضة قوة في مجلسي
النواب تجبر الحكومة الفرنسية على إنصاف سورية، والاعتراف بحقها في الحرية
والاستقلال، فإن صدق ظنهم هذا أمكن أن تستعيد فرنسة بعض ما فقدت من حسن
صيتها السابق، وكان خيرا للشعب الفرنسي ولحكومة الجمهورية الفرنسية من
اعتقاد سورية أن فرنسة فقدت كل فضيلة إنسانية، وصارت كالوحوش المفترسة،
ليس لها صفة تفخر بها إلا القتال والتخريب ولو فقدت به ثروتها وشرفها الأدبي.
***
حظ الإنكليز من ثورة سورية
(5) قيل: إن الثورة السورية الحاضرة هي من دسائس الإنكليز، وإنهم
هم المحركون لها، والممدون لنارها بالوقود، ولثوارها بالسلاح والنقود، وقد
خاضت في هذه التهمة بعض الجرائد الفرنسية والمصرية، وهي تهمة باطلة سببها
اعتقاد جميع الشعوب أن الإنكليز هم شياطين الإنس، لا تقع فتنة إلا بدسائسهم
ووساوسهم، وهم يستفيدون من هذه التهمة لأن فرنسة تضطر بتصديقها لذلك إلى
استعتابهم واسترضائهم بمساعدة تبذلها لهم، أو مصلحة لها تنزل لهم عنها، كما
نزلت لهم عن الموصل حتى لا يعارضوها في احتلال دمشق، وما يدرينا أنهم
يحتاجون الآن إلى مساعدتها على الترك في مسألة الموصل أيضا، وأنها ستبذل لهم
هذه المساعدة كما بذلت لهم الموصل نفسها، وكانت من نصيبها في معاهدة سايكس
بيكو.
إن الإنكليز لا يمكن أن يساعدوا الدروز ولا غيرهم من السوريين على قتال
فرنسة؛ لأنهم يعلمون أن الذي يتجرأ على قتال فرنسة يتجرأ على قتال إنكلترة،
فإنها ليست أعظم من فرنسة قوة عسكرية بل دونها، وكيف يساعدونهم على ذلك
وهم يطمعون في أخذ بلادهم كما قال أحد كبار رجالهم لعربي يثق بإخلاصه لهم وقد
سأله: كيف تتركون سورية لفرنسة وهي بين فلسطين والعراق، فقال له: هل
رأيت إنكليزيا يلبس ثوبا مرقعا؟ قال: لا، قال: فافهم.
أنا أؤمن بأن الإنكليز يعتقدون أن مآل سورية لهم، كما أؤمن بأنهم ليسوا هم
المحركين للثورة السورية وأنهم لم يساعدوها، وأنهم لا يرون من مصلحتهم ظفر
الثوار بفرنسة، ولا أن يتفقوا معها، وأنهم يتمنون لو تقلل عدد المسلمين والدروز
في سورية، ولا يكرهون أن تستبدل الأرمن بالدروز في حوران ثم لبنان، كما
تفعل هي في تغليب اليهود على العرب في فلسطين، وأؤمن مع هذا بأن الثورة
تمهد لهم السبيل لما يعتقدون من المآل الذي ذكرناه، ولما هو أبعد منه؛ لأنه يورث
العداوة ويورث الحقد بين فرنسة والسوريين وكذا سائر العرب والمسلمين، فإذا
يئس السوريون من الاستقلال الصحيح فإنهم لا يرون بدا من توطين أنفسهم على
الانضمام إلى العراق وفلسطين لما في ذلك من الفوائد الاقتصادية والأدبية والقومية،
فإذا اتحدت سورية الكبرى مع العراق يكون المجموع دولة عربية غنية، فأي
سوري أبله يفضل على ذلك ما تفعله فرنسة من جعل سورية الصغرى عدة شعوب،
لكل شعب منها حكومة تسمى دولة، وهي سخرية لا يجهل عوام الحراث والعمال
سببها والغرض منها.
إن للإنكليز حزبا في سورية يستطيعون دفعه للعمل في كل وقت، ولا يوجد
أقوى منه في البلاد إلا حزب الاستقلال المطلق، وهم لا يدفعونه إلى العمل إلا عند
ارتفاع المانع ووقوع المقتضي، وهم مشهورون بانتظار الفرص والوثوب عليها