تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(أحدهما) : سياسي، وهو ما أشار إليه مراسلها بتونس - الناطق بلسانها -

في طعنه بإخلاص علماء مصر، وتعريضه بذلك المقام العالي، وهو ما يتجنب

المنار الخوض فيه.

(وثانيهما) : ديني اجتماعي، وهو أنها لسان حال اللادينيين في مصر،

وأكبر مفاسد هذا الكتاب أنه يحاول هدم الشريعة الإسلامية من طريق الدين

الإسلامي، فهي لهذا تنصره ولم تجد من مخازيه أهون من مسألة الخلافة، فجعلت

جل خوضها فيها. وجميع اللادينيين في مصر وتونس على رأي أمثالهم من الترك

يرون أن الخلافة سياج للشريعة مهما يكن حال المتولي لأمرها، فلا يسهل هدم

الإسلام مع وجودها ولو بصفة ضعيفة.

ونرى مراسل هذه الجريدة قد شايعها على المغالطة في التحزب له بدعوى

المدافعة عن حرية الرأي، فزعم أن مصر رجعت فيها القهقرى، والصواب أنها

زادت فيها قوة بل غلوا، فجريدة السياسة طعنت في الدين وفي كبار علماء الإسلام،

ولم ينلها عقاب ولا حجز.

وقد أخطأ المراسل في تسمية الطعن في الدين، وإنكار المجمع عليه من

أحكامه وأصوله - اجتهادا فيه، وتبع في هذا جريدة الصواب، وكان كل منهما أفضل

من جريدة السياسة باعترافهما أن صاحب كتاب (الإسلام وأصول الحكم) أخطأ في

اجتهاده، ولكن ما ذكره المراسل من شروط حرية الرأي في الإسلام ينافي كون

الرجل اجتهد فأخطأ؛ لأنه خالف النصوص القطعية والإجماع الصحيح والمعقول،

ولم يدفع شيئا من شبه أعداء الإسلام عنه، بل كان طعنه فيه أقبح من طعنهم،

ولذلك أثنوا عليه ونوهوا به.

ومن أغرب ما تجرأ عليه هؤلاء اللادينيون بمصر وقلدهم فيه مراسل

جريدتهم في تونس _ تشبيه شر الجناة على الإسلام بخير أنصاره في هذا العصر

الأستاذ الإمام قدس الله روحه، ولم يخجلوا من جعل أنفسهم أولى بالأستاذ الإمام من

أشهر مريديه وأنصاره بمصر وتونس، حتى في المسألة التي ذكروا إنكار بعض

الحامدين على الإمام فيها، وهي الفتوى في ذبائح أهل الكتاب ولبس البرنيطة -

فكما أن صاحب المنار كان أول مريدي الأستاذ الإمام الذين قاموا بنصره وتأييد

فتواه في مصر - كذلك كان العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تونس، فقد

كتب في ذلك رسالة نفيسة أرسلها إلي في وقتها، ونوهت بها ولا تزال عندي بخطه.

ولا يخجل اللادينيون اليوم من جعل مراسل السياسة المجهول وصاحب جريدة

الصواب بتونس أولى بالأستاذ الإمام من صاحب المنار ومن العلامة المذكور

والعلامة الشيخ محمد يوسف، وهما أشهر علماء المالكية والحنفية العارفين بحال

العصر، القادرين على خدمة الإسلام في تونس، فإذا كان هذان الأستاذان العصريان

يطعنان في كتاب الشيخ علي عبد الرازق فما القول في سائر علماء تونس الجامدين

المتعصبين لكل ما في كتب الفقه والكلام، ورد كل ما خالف فقهاء مذاهبهم من غير

نظر في الأدلة.

وكأني بجريدة السياسة تقرن بهما قرينهما في العلم والفضل ومعرفة شؤون

العصر العلامة الشيخ محمد الخضر بن الحسين نزيل مصر؛ لأنه ألف كتابا من

أنفس الكتب في إظهار جهل الشيخ علي عبد الرازق بالإسلام وجنايته عليه، سماه

(نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) .

فليهنأ الشيخ علي عبد الرازق وجريدة السياسة بانتصار جريدة الصواب لهما

على هؤلاء العلماء الأعلام، وهي كأمثالها من الجرائد الأسبوعية في مصر ليست

مما يعتد بفهمها ورأيها في مثل هذا الكتاب، ولعل صاحبها لو قرأه لما اغتر بخلابة

ألفاظه وشعرياته، ولعلم أنه جان على الإسلام متعمد للتنفير عنه لا مخطئ في

اجتهاده مع إرادته تخليصه مما ألصقه به الغربيون من الوصمات، والظاهر لنا أنه

اغتر بكلام جريدة السياسة فكتب ما كتب، ولكنه على عدم قراءته للكتاب لم يتهور

كما تهورت جريدة السياسة، فكانت جريدته أرقى منها.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٢٩