رغبات عدو بلا معادي، ومبارز لا تصده الدواعي والعوادي، فخفي الأمر على
غير بصير، وذهب على غير خبير.
وما أوصل الشرقيين إلى هذا الحد سوى تفرق الآراء، واختلاف الأهواء،
حتى إن بعض الناس ممن لا يبالى بهم، يتهللون بسوء أحوالهم، ويبتهجون إذا
بشروا بتسلط أعدائهم، وما ذاك إلا من تداني الهمم، وتراكم الظلم، والوقوع في
حفرة الحيوانية، والانحطاط عن درجة الإنسانية، حيث فقدت منهم الغيرة والحمية،
وذلك بدل أن ينبذوا في مثل هذه الأوقات جميع التعصبات الدينية، والاختلافات
المذهبية لحماية أوطانهم ووقايتها من وطأة أعدائهم، الذين لا يرومون من
الاستيلاء علينا معاشر الشرقيين إلا توسعة ممالكهم، والتمكن من استعبادنا بالدخول
تحت حوزتهم، لنكون لهم خزينة عند الافتقار، وترسا يقون به أوطانهم ورجالهم
مما عسى يبرزه الاستقبال، وبعد ذلك يكون عارا علينا أي عار، يذهب بهاؤكم،
يتشفى منكم عدوكم، وينهدم بناؤكم، وينقطع من العزة رجاؤكم، أنتم يا معشر
الشرقيين أبناء وطن واحد، تتشاركون في المنافع والمضار وسائر المقاصد، لا
يمس أحدكم خير إلا نال الآخر منه مثل ما نال صاحبه، ولا توجه إليه خير إلا
وهو إلى الآخر يتعاقبه، فما لهممكم تضاءلت، وخطباؤكم تمثلت.
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
ولم تخاطبوا عدوكم من صميم فؤادكم ...
محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... إليك ليوث الغاب من كل جانب
واذكروا إذ تسطر أحوالكم في صحف الرجال، ويستقبل بها ما يأتي من
الأجيال، فإن أنتم أبرزتم حميتكم، ورعيتم حق وطنكم الذي منه ابتدئتم، وفيه
سكنتم، ودافعتم عنه ببذل الأرواح فضلا عن حسن المقال، وبالجملة سلكتم مسالك
الرجال لا تهوس الأطفال، فتلك مآثر إنسانية تنالون بها مجدكم وفخاركم، وتمتلكون
سعدكم، وحلية يختال فيها من تعقبونه بعدكم، وإلا فالعار والشنار لاحق بكم وليس
إلا أن يحثى تراب الذل في وجوه أعقابكم، وانظروا إلى أحوال سلفكم؛ لتكون
مرآة لأحوالكم، فإن قال قائل:
إن الديانات ألقت بيننا إحنا ... وأودعتنا أفانين العداوات
فكل واحد منا يتوقد من صاحبه؛ لمخالفته له في مذهبه، ومناوأته إياه في
مشربه، فكيف تميل تلك القلوب لرفع الشقاق، وجمع كلمة الاتفاق، والتخلص من
خسة النفاق؟ فنجيبه: إن مثلنا في ذلك مثل أخوين تولدا من بطن واحد وأصل
واحد، قد يقع بينهما بعض المنازعات المنزلية والمناوشات المعاشية، فيأخذ كلا
منهم ما شاء من الغيرة والحمية، ويكاد أن يفتك كل بالآخر، ومع كل ذلك إنهما
عند اقتراح أجنبي على أحدهما يقوم الآخر بنصرته، ولا يحجم عن رد تبعته،
فتلك العداوات الجزئية لا يصح لدى العاقل أن تضر بمصالحنا الكلية، وعلى
فرض أن لو عدت تلك المزاحمات شيئا يذكر، وأمرا يصح إليه النظر، فما أشنع
حال من ينتقم بيد الغير، ويلحق نفسه وعقبه عار السفاهة والضير، أين أنتم من
(تيمستكليس) اليوناني الذي بعدما صنع المكايد مع (دارا) وهزمه، وجاهد ما
جاهد في حماية وطنه، أقصاه اليونانيون وطردوه، وأجمعوا أمرهم على أن يقتلوه،
فالتجأ إلى (دارا) يستنجده مما اعتراه، فأعظم منزلته، وأكرم مثواه، ثم إن
(دارا) طلب منه أن يحشد جيشا على اليونانيين، فقال: وجهني إلى أي مكان
قاص أو دان سوى بلاد اليونان، فإنها وطني ومقر تربيتي، لا ترضى همتي
بأن أقدمها لغير أمتي، وإنه وإن كان أهل اليونان طردوني، ولكن تراب اليونان ما
صنع معي قبيحا، فلما أغلظ عليه (دارا) في الطلب نادته هواتف الإنسانية إن
ذلك من الموت أصعب، فاختار الموت على الحياة، وتناول السم ومات. ألا
فانتبهوا من سنة الغفلة، واتخذوا لكم من الإنسانية ظلة، ومن الفضائل خلة
واحذروا، وبالحمية الوطنية اتقوا واعتصموا. اه.
(المنار)
ليتأمل القراء وخاصة أهل سورية ولبنان آراء هذا الرجل التي كتبها منذ