المقصودة الدينية الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين.
فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد - صلى الله تعالى عليه
وسلم - ﴿خير أمة أخرجت للناس﴾ (آل عمران: 110) ، وبها أنزلت السور
المدنية؛ إذ في المدينة النبوية شرعت الشرائع، وسنت السنن، ونزلت الأحكام
والفرائض والحدود.
فهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وإليه تشير
مشايخ الطريقة وعلماء الدين، لكن بعض ذوي الأحوال قد يحصل له في حال
الفناء القاصر سكر وغيبة عن السوى، والسكر وجد بلا تمييز، فقد يقول في تلك
الحال: سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله، أو نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن
أبي يزيد البسطامي أو غيره من الأصحاء. وكلمات السكران تطوى ولا تروى ولا
تؤدى، إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهي عنه.
فأما إذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا، لا فرق في ذاك بين
السكر الجسماني والروحاني، فسكر الأجسام بالطعام والشراب، وسكر النفوس
بالصور، وسكر الأرواح بالأصوات. وفي مثل هذا الحال غلط من غلط بدعوى
الاتحاد والحلول العيني في مثل دعوى النصارى في المسيح، ودعوى الغالية في
علي وأهل البيت، ودعوى قوم من الجهال الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر
أو غيرهما، وربما اشتبه عليهم الاتحاد النوعي الحكمي بالاتحاد العيني الذاتي.
فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله
تعالى وسلم - قال: (يقول الله: عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف
أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أنه مرض عبدي فلان فلو عدته
لوجدتني عنده. عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: ربي كيف أطعمك وأنت رب
العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي) ،
ففسر ما تكلم به في هذا الحديث أن جوع عبده ومحبوبه لقوله: (لوجدت ذلك
عندي) ، ولم يقل: لوجدتني قد أكلته، ولقوله: (لوجدتني عنده) ، ولم يقل:
لوجدتني إياه؛ وذلك لأن المحب يتفق هو ومحبوبه؛ بحيث يرضى أحدهما بما
يرضاه الآخر، ويأمر بما يأمر به، ويبغض ما يبغضه، ويكره ما يكرهه، وينهى
عما ينهى عنه.
وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق
في هؤلاء محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولهذا قال تعالى فيه: {إن الذين
يبايعونك إنما يبايعون الله} (الفتح: 10) ، وقال: {والله ورسوله أحق أن
يرضوه} (التوبة: 62) ، وقال: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (النساء: 80) .
وقد جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة إن صح أن المسيح
قالها فهذا معناها كقوله: (أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي) ، ونحو ذلك
بها ضلت النصارى، حيث اتبعوا المتشابه كما ذكر الله عنهم في القرآن، لما قدم وفد
نجران على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ناظروه في المسيح.
وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: (من عادى لي وليا فقد بارزني
بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي
يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، في يسمع، وبي يبصر،
وبي يبطش، وبي يمشي) ، فأخبر في هذا الحديث أن الحق سبحانه إذا تقرب إليه
العبد بالنوافل المستحبة التي يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه.
وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل، وأن قرب الفرائض أن يكون هو
إياه، فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، فهذا القرب يجمع الفرائض
والنوافل. فهذه المعاني وما يشبهها هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية
أتباع الأنبياء والمرسلين.
وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية،