تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى عمر وعلي وأكابر الصحابة رضوان الله عليهم. ولما كانت الحكومة الإسلامية

في صدر الإسلام أشبه بالحكومة الديموقراطية حذا حذو أبي بكر - في الرجوع إلى

استشارة أهل العلم والرأي من أكابر سائر المسلمين - الخلفاء الراشدين، ومن أتى

بعدهم من الخلفاء الأمويين، دون اتخاذ وزير مخصوص يسمى بهذا الاسم، أو

يعطى شارة الوزارة، حتى قيام الدولة العباسية، وكان أول خليفة منهم السفاح،

فاتخذ له وزيرا أبا سلمة حفص بن سليمان، فكان أول من لقب بالوزير في دولة

الإسلام، ومن ثم أصبحت الوزارة من الرتب الخاصة التي تجري عليها القوانين،

وتدون لها الدواوين، على أشكال شتى كانت تترقى بترقي الدول الإسلامية، وتتدنى

بتدنيها.

***

القضاء

إن ولاية القضاء خطة سامية، تتلو الوزارة في الأهمية، ولها في الشريعة

الإسلامية شروط وأحكام، أفردت لها أبواب مخصوصة في كتب الفقه، لا مجال

لإيرادها في هذا المختصر، وقد قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه،

وقلد القضاء لعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل رضي الله

تعالى عنهم. وقد مر في هذه المقدمة ذكر الحديث الوارد بتقليد معاذ القضاء، ولم

يرد في شريعة من الشرائع ما ورد في الشريعة الإسلامية من البيان بشأن القضاء

وشروطه، وآدابه وأحكامه وحدوده، لهذا كان الخلفاء الراشدون يجلسون للقضاء

بأنفسهم ويستنيبون أحيانا من عرف بالعلم والنزاهة، وتحققت فيه الأهلية والكفاءة،

وكذا من جاء بعدهم من الخلفاء الأمويين، وبعض الخلفاء العباسيين.

ولما كانت المنازعات في صدر الإسلام، إنما تنشأ عن أمور مشتبهة، يترافع

فيها الخصمان إلى القضاء ليوضحها الحكم، وتتعين فيها جهة الحق، فقد اقتصر

خلفاء السلف على فصل المنازعات، والتشاجر بين الناس بالحكم والقضاء، لالتزام

الناس جهة الحق، وانقيادهم إليه، ولما تجاهر الناس بالظلم، وتغالبت النفوس،

وتغلبت الأهواء، واحتيج في رد الحق وتنفيذ الأحكام إلى القوة الإجرائية؛ تفرعت

عن القضاء ولاية المظالم، فكان الخلفاء من بني أمية، منهم من جلس لرد المظالم

بنفسه، كعمر بن عبد العزيز، ومنهم من أفرد وقتا مخصوصا للنظر في رقاع

المتظلمين، ومنهم عبد الملك بن مروان، وهو أول من أفرد يوما للنظر في

الظلامات، وتصفح قصص المتظلمين، فما احتاج فيه إلى حل مشكل أو حكم منفذ

رده إلى قاضيه أبي إدريس الأزدي، فكان هذا المباشر، وعبد الملك الآمر، ثم مع

التمادي والتدريج، احتاج الخلفاء إلى جعل ولاية المظالم ولاية خاصة تتفرغ عن

ولاية القضاء [3] ، فكانوا يختارون لها ذوي الهيبة وأهل السياسة، لتنفذ بواسطتهم

قوانين العدل، وتستقيم طرق التناصف، وكان آخر من جلس بنفسه لرد المظالم

من الخلفاء العباسيين المأمون، وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

نظر في المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام - رضي الله تعالى

عنه - ورجل من الأنصار، وحضره صلى الله عليه وسلم بنفسه.

***

الولاية وإمارة الحرب واللواء والجيش

قد استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإمارة كثيرين، منهم

عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، استعمله على مكة أميرا سنة

ثماني من الهجرة وولاة إمارة الموسم والحج بالمسلمين، وذكر الزمخشري في

الكشاف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل عتاب بن أسيد على أهل

مكة وقال: (انطلق فقد استعملتك على أهل بيت الله) ، فكان شديدا على المريب،

لينا على المؤمن، ومنهم باذان استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على

اليمن، وكان أميرا عليها من قبل ملوك الفرس، وذكر المؤرخون أن باذان أول

أمير أسلم من العجم، وأول أمير في الإسلام على اليمن.

***

مطلب إمارة الجيش

وأما إمارة الجيش فقد استعمل لها النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢١٢