تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وملخص هذه الفتوى: إن ترجمة القرآن ترجمة حرفية متعذر، ويترتب

عليه مفاسد كثيرة، فهو محظور لا يبيحه الإسلام؛ لأنه جناية عليه وعلى أهله،

ولا يجوز أن تسمى الترجمة قرآنا ولا كتاب الله، ولا أن يسند شيء منها إليه تعالى

فيقال: قال الله كذا؛ لأن كتاب الله وقرآنه عربي بالنص القطعي والإجماع الشرعي،

من سلف أهل الملة كلهم وخلفها لا الإجماع الأصولي المختلف فيه، ولأنها ليس لها

شيء من خصائص القرآن اللفظية ولا المعنوية كالإعجاز، وهي لا بد أن تكون

مخالفة له في المعنى كمخالفتها في اللفظ، فإسنادها إليه تعالى كذب عليه وكفر

بكتابه، بل أجمع المسلمون على أنه لا يجوز إبدال لفظ من ألفاظ المصحف بلفظ

آخر يرادفه من اللغة العربية: ككلمتي شك وريب في قوله تعالى: {ذلك الكتاب

لا ريب فيه} (البقرة: 2) ، وأما الترجمة المعنوية التي هي عبارة عن تفسير ما

يحتاج إلى تفسيره منه بلغة أخرى فغير محرم، وإنما تتبع فيه المصلحة الشرعية

بقدرها.

***

أقوال الفقهاء في المسألة

ترجمة القرآن وقراءته وكتابته بغير اللغة العربية [*]

المعول عليه عند الأئمة وسائر العلماء أنه لا يجوز كتابة القرآن ولا قراءته

ولا ترجمته بغير العربية مطلقا، إلا فيما نقل عن أبي حنيفة وصاحبيه من جواز

قراءة القرآن بالفارسية في خصوص الصلاة، وإليك بعض النصوص في ذلك:

قال شيخ الإسلام أبو حسن المرغيناني الحنفي في التجنيس: ويمنع من كتابة

القرآن بالفارسية بالإجماع؛ لأنه يؤدي إلى الإخلال بحفظ القرآن، لأنا أمرنا بحفظ

اللفظ والمعنى فإنه دلالة على النبوة، ولأنه يؤدي إلى التهاون بأمر القرآن اه.

وقال في معراج الدراية: من تعمد قراءة القرآن أو كتابته بالفارسية فهو

مجنون أو زنديق، والمجنون يداوى، والزنديق يقتل، وروي ذلك عن أبي بكر

محمد بن الفضل البخاري اه.

وفي الدراية: إن القرآن اسم للنظم والمعنى جميعا بالإجماع، وقد أنزل حجة

على النبوة، وعلما على الهدى، والهدى بمعناه، والحجة بنظمه. وكما أن الإخلال

بالمعنى يسقط حكم القراءة، كذلك الإخلال بالنظم، ولأن حفظ القرآن واجب في

الجملة؛ ليكون حجة على الحكم، ولا قراءة تجب إلا في الصلاة، فعلم أنها متعلقة

بعين ما أنزل ليقع الحفظ بها اه.

وروي عن الإمام أبي حنيفة كما في الهداية وغيرها: جواز قراءة القرآن

بالفارسية في الصلاة مطلقا، وعن الصاحبين: إذا كان لا يحسن العربية، أما إذا

كان يحسنها فلا يجوز، وتفسد صلاته إذا قرأ بغير العربية.

وروى أبو بكر الرازي رجوع الإمام إلى قولهما وعليه الاعتماد , وقال

الإمام الزاهدي في الجامع الصغير: إن ما نقل عن أبي حنيفة وصاحبيه من أن

القراءة بالفارسية تفسد الصلاة؛ لمن قدر على العربية، أما عند العجز فلا فساد

(محله) إذا قرأ بالفارسية كل لفظ بما هو في معناه من غير أن يزيد فيه شيئا، أما

إذا قرأ على سبيل التفسير فتفسد صلاته بالإجماع اه.

وهو تفييد حسن؛ لأنه حينئذ يكون متكلما بكلام غير القرآن من كلام الناس

وهو مفسد للصلاة.

وأصل الاختلاف في ذلك كما بدائع الصنائع وأحكام القرآن لحجة الإسلام

الجصاص قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ (المزمل: 20) ، حيث

أمر بالقراءة، والأمر للوجوب، ولا موضع لوجوب القراءة غير الصلاة، فوجب

أن يكون المراد القراءة في الصلاة، فذهب الصاحبان إلى أنه إذا قرأ بالفارسية وهو

يحسن العربية، فقد قرأ ما ليس بقرآن، فقد خرج عن عهدة الأمر؛ لأن الفارسي

ليس قرآنا، والقرآن هو المنزل بلغة العرب، قال تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا﴾ (يوسف: 2) ، وأيضا فالقرآن هو المعجز، والإعجاز من جهة اللفظ يزول

بزوال النظم العربي، فلا يكون الفارسي قرآنا لانعدام الإعجاز، ولهذا لم تحرم

قراءته على الجنب والحائض، غير أنه إذا كان لا يحسن العربية، فقد عجز عن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٠٠