والمسلمين، ويزحف بكل قوته على شرق الأردن وفلسطين والعراق، فهو إن فعل
ذلك يجد الترك قد انتهزوا هذه الفرصة وزحفوا على الموصل، وإذا أنقذ العراق
وقلب جزيرة العرب من الإنكليز ذهب تسعة أعشار الخوف على الحجاز ونجد،
ولن ترضى الأمة البريطانية من حكومتها الماكرة أن تحملها أعباء حرب جديدة في
بلاد العرب تضحي فيها مئات الألوف من الإنكليز، وتغتال مئات الملايين من
ذهبهم، بعد أن كادت الديون وبطالة العمال وكساد التجارة تقضي على ثروتهم.
ولئن كانت الحكومة الهندية تظن أنها يمكنها الاعتماد على مسلمي الهند في
إيقاد نيران الحرب في الحجاز؛ بإيهام عوامهم أنها تنقذ بذلك القبور والقباب من
الوهابية، فهي لا تأمن لهم ولا للهندوس في إيقاد نيران الحرب في بلاد العرب
لقتال العرب والترك دفاعا عن تاج فيصل وعقال أخيه عبد الله، بل هي لا تأمن
عاقبة إرسالهم إلى الحجاز أيضا؛ لأن العارفين بكيدها للحجاز من ضباطهم وجندهم
كثيرون.
إن الدولة البريطانية لا تثير حربا جديدة قط، وما لديها إلا الخداع، فلا
يكونن سلطان نجد من المخدوعين.
لا يتوهمن أحد من ذكرنا لزحف الترك على الموصل أننا نعتقد أن لهم الحق
في ذلك، أو أننا نفضل جعل هذه الولاية تركية على جعلها عربية، كلا، وإنما
نعتقد أن طمع الترك قد يقف عند حد الموصل من بلاد العرب، وأما طمع الإنكليز
فلا يقف عند حد، وهم عازمون قطعا على امتلاك جميع البلاد العربية، وإزالة
سلطان الإسلام وشريعته من الأرض، فإذا ظفروا بقوة ابن سعود وهي أكبر قوة
عربية في الجزيرة فقل: على العرب وعلى الإسلام السلام، ونعتقد أن ابن سعود إذا
زحف لإنقاذ العراق لأهله يقوم معه معظم العرب، وإقناع العراقيين بذلك سهل.
***
(3)
دسيسة الصلح بين الحجاز ونجد
نحن من المصدقين بأن سلطان نجد كان ولا يزال قادرا على أخذ جدة والمدينة
المنورة عنوة كما حكي عنه، ثم صرح به هو رسميا. ومن المصدقين بأنه اختار
الحصر بالمطاولة على المناجزة، كراهة لسفك الدماء، وتخريب العمران، ويعتقد
مع هذا أن هذا الاجتهاد كان خطأ، ضرره على سياسة السلطان وعلى الحجاز أكبر
من نفعه، فلو أنه بعد أن علم بما كان من تحصين جدة أعد للهجوم عليه عدته،
وأخذها عنوة لانتهت المسألة الحجازية، وأقبل الحجاج على مكة من جميع الآفاق؛
فاتسع الرزق على أهل الحجاز، وشاهد وفود مسلمي الأرض كلها الفرق العظيم
بين عدل ابن السعود، وتأمينه للبلاد، ومنعه للظلم والإلحاد، وتعففه عن أموال
الحجاج، وإقامته لأحكام الشريعة، وبين بظلم حسين بن علي وإلحاده في حرم الله،
ولعقد المؤتمر الإسلامي العام، وقرر شكل حكومة الحجاز وما يجب من الإصلاح
الديني والعمراني فيه (كما تقدم آنفا) ، واستراح المسلمون عامة والعرب خاصة،
واطمأنوا بذلك على حرمهم وقبلتهم ومشاعر دينهم، وروضة نبيهم صلى الله عليه
وآله وسلم، وأمنوا نفوذ الأجنبي أن يفسد عليهم أمر دينهم، ويذلهم حيث أعزهم
الله تعالى.
لقد آن للسلطان الذكي العاقل أن يدرك الفرق العظيم بين حصره لابن الرشيد
في جبل شمر، وبين حصره للشريف علي صنيعة الإنكليز وابن صنيعتهم في ثغر
بحري، يتصل فيه بهم وبمن شاؤوا وشاء من العالم، وقد علم بعض ما في ذلك من
الضرر، ومنه أن رجال العرب وكثيرا من زعماء الإسلام الأعاجم؛ وكثيرا من
الأجانب كانوا يقدرون قوته الحربية قدرها، وينتظرون أن تتضاعف هذه القوة
بإدخال النظام العصري فيها، وتسليحها بالأسلحة الجديدة التي كانت فاقدة لها،
وكانوا ينتظرون أن تتجدد بذلك دولة عربية قوية، تحفظ بالاتحاد مع قوة الإمام
يحيى مهد الإسلام وجزيرة العرب من النفوذ الأجنبي، وتجدد شباب هذه الأمة.
فلما مرت سنة كاملة، بل قبل أن تنتهي هذه السنة على حصار جدة التي
يحميها أوشاب من متطوعة بلاد كثيرة، استؤجروا للدفاع عنها بحشو بطونهم من