جناياتهم إعطاء أعظم منطقة حربية من أرض الحجاز للإنكليز وهي منطقة
(العقبة - معان) التي تمكنهم من الاستيلاء على بقية الحجاز، أو جعله بحيث لا
يقدر أهله أن يعيشوا فيه إلا تابعين للإنكليز؛ لإحاطتهم بهم من البر والبحر،
وسنبين في الفصل التالي من هذا المقال حال الحجاز بين سلطان نجد والشريف
علي، وما يجب على المسلمين من درء الخطر عن مهد دينهم ومشاعره العظام؛
وكون بقاء سلطة بيت الشريف حسين على الحجاز مفضيا إلى جعله تابعا
للإمبراطورية البريطانية حتما، وكل من يسعى إلى بقاء سلطتهم فيه فهو يخدم
الإنكليز ويحارب الله ورسوله والمسلمين قصد ذلك أم لا، وقد أعذر من أنذر.
***
(2)
الموازنة بين سلطان نجد والبيت الهاشمي
لما زحف جيش ابن السعود؛ لإنقاذ الحجاز من سلطة الشريف حسين كان
ضلع الرأي الإسلامي العام معه، فلم ينتدب شعب من شعوبه، ولا جماعة من
جماعاته، ولا فرد من كبار رجاله للدفاع عنه، بل صرح المعروفون من رجاله
بظلمه وفساد سياسته، وزعموا أنهم خلعوه خلعا، وكذلك فعلت الجرائد التي كانت
تمدحه وتدافع عنه كالمقطم، واتخذوا ذلك وسيلة لإقناع سلطان نجد بإمكان الاتفاق
بينه وبين ولده الشريف علي الذي سموه ملكا دستوريا، ولو أن سلطان نجد بادر
في ذلك الوقت إلى الاستيلاء على جدة والمدينة المنورة لغنم كنوز الملك حسين
واستعان بها على إصلاح الحجاز، ولعقد المؤتمر الإسلامي، وتقرر فيه نظام الحكم
في الحجاز بما يرضي جميع المسلمين، ولكنه قاس الحجاز على إمارة ابن الرشيد
التي استولى عليها بالحصار الطويل دون المناجزة اختيارا لخسارة المال على
خسارة الأنفس، فأعطى البيت الحسيني فرصة طويلة للاستعداد الحربي وللدعاية
الإفسادية، ولما هو شر من ذلك وهو العود إلى إقناع الإنكليز بأنه قادر على تمكينهم
من سائر بلاد العرب، فعادوا إلى مساعدته بالمال والدعاية كما تقدم في الفصل
الأول من هذا المقال، فطفقوا يهيجون العالم الإسلامي على الوهابية وسلطانهم،
فوجب أن نقيم الوزن بالقسط بين الفريقين.
***
سيئات جند ابن السعود في الحجاز
إن ما نسب إلى جند ابن السعود من السيئات في الحجاز كان ينحصر في
أمرين:
(أحدهما) : أنهم قتلوا في الطائف بعض الأهالي غير المقاتلين.
(ثانيهما) : أنهم هدموا بعض المباني الأثرية التي يتبرك بها الناس؛ فكل
الدعاية الهاشمية في الطعن فيهم لا تعدو هذين إلا إلى ما يذكر في هذه الأيام من ذم
الإدارة في الحجاز، ولم يثبت من ذلك إلا منع شرب الدخان: كمنع الخمر
والحشيش وأمثال ذلك مما كان يلوث به الحرم الشريف، ولا نبحث في هذا فإنه لا
يتعلق بما نقصد من السياسة العامة ومستقبل الحجاز والإسلام.
فأما الأول فيقع مثله في كل حرب، وفي الغالب يكون خطأ وقد يكون بعضه
لضغائن وأسباب شخصية، فإذا كان قد وقع من الوهابية، فقد وقع قبلهم من خير
جنود البرية، وهم الصحابة رضي الله عنهم، فقد روى البخاري في صحيحه
وغيره عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
بعث خالد بن الوليد إلى بني خذيمة (داعيا لا مقاتلا) ، فدعاهم إلى الإسلام فلم
يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل منهم
ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل منا
أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا
على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه له فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم -
يديه وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) - مرتين.
وهذا ذنب مضى لا يضر البلاد ولا الأمة وإثمه على من فعله لا نبرئهم منه،
وأما الثاني: فإذا عقد المؤتمر الإسلامي الذي يدعو إليه السلطان ابن السعود، وقرر
أنه خطأ أمكن إعادة تلك المباني أو الأثري منها، بشرط مراعاة أحكام الشرع في