تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنهم اخترعوا للنجديين عقائد يتبرؤون منها، كذلك يختلقون لهم أعمالا يتبرؤون منها،

ولذلك قلت في تعليقي على هذا المنشور في منار آخر شهر المحرم: وأصدر هذا

المنشور؛ ليعلم العالم الإسلامي بغرضه الشريف، وليحتاط لبهتان دعاية الشريف

علي، ويتقي اتهامه بضرب المدينة أو حرمها المنيع لو دخلها فاتحا، وقد يكون هذا

الاحتياط مغريا لا مانعا من التهمة، بل يستحل علي وقواده فعل ذلك؛ ليتهموا

الوهابيين به كما فعل والده (حسين) ؛ إذ أمر بضرب الكعبة المشرفة بالنار، واتهم

بذلك الترك اه.

إنني لست أريد بهذا المقال الانتصار لسلطان نجد على الشريف علي ولا

الطعن بهذا والدفاع عن ذاك، بل أريد تنبيه العالم الإسلامي إلى الخطر الأكبر وهو

استيلاء الأجنبي على مهد دينهم وقبلته ومشاعره وحرم الله ورسوله، واستعانته

على ذلك بعوام المسلمين وبعض خواصهم الدنيويين المسخرين لخدمته، والذين

لولا أمثالهم لم يستول على الهند، ولا على مصر، ولا على القدس والشام

والعراق. وإني لأعرض نفسي بهذا التنبيه والتذكير لبلاء عظيم على ضعف أملي

باستفادة جماهير المسلمين من نصحي وتذكيري كما يجب، فالعامة قتلها الجهل،

والخرافات كعبادة القبور، ومعظم خاصة أهل الدنيا قتلهم جهل شر من جهل العامة،

وفساد شر من فسادها، فأصبحوا آلات بأيدي الأجانب يسخرونهم؛ لهدم مجد

دينهم ودنياهم، كما سخروا أمراء الهند وملوكهم في فتحها لهم، ثم سخروا بعض

كبراء المصريين في احتلال مصر وشركتها في السودان، وفي استمرار هذا

الاحتلال والاستئثار بالسودان، ثم سخروا الملك حسينا والملك فيصلا والملك عليا

والأمير عبد الله، ولا يزالون يسخرونهم في سبيل امتلاكهم للبلاد العربية، وكما

تسخر فرنسة سلطان مراكش اليوم في هدم قوة أبناء جلدته ووطنه ودينه الريفيين،

وهي ما فتحت سلطنته إلا بمسلمي الجزائر، وما فتحت الجزائر من قبل إلا

بمساعدة سلفه الصالحين من سلاطين مراكش.

إن لدى سلطان نجد جندا يفوق جند الريف المغربي أضعافا مضاعفة في العدد،

ولا يقل عنه في الشجاعة والصبر عن القتال، بل ربما يفوقه فيهما أيضا، وإنما

ينقصه النظام الحديث والأسلحة العصرية، وما هما عن متناوله ببعيد لو فطن

سلطانه لذلك وأقدم عليه، وهذا هو الذي يخشاه الإنكليز الطامعون في امتلاك

جزيرة العرب بعد استيلائهم على ما جاورها من البلاد العربية الخصبة؛ ليقتلوا

الإسلام وقوم محمد - عليه الصلاة والسلام - في عقر دارهم ومهد دينهم، وقد

أعياهم استخدام سلطان نجد وإمام اليمن في هذه السبيل، كما استخدموا الشريف

حسينا وأولاده، فهم يكيدون لهما المكايد.

وقد كان آخر خدمة عملية خدمهم بها البيت الهاشمي جعله هذه المنطقة

الحربية من أرض الحجاز (العقبة ومعان) تابعة لما يسمونه الانتداب البريطاني،

وآخر دعوة لهم إلى التدخل في أمر الحجاز ما كتبه الشريف حسين من قبرص إلى

الحكومة الإنكليزية يطالبها بالتدخل الفعلي في أمر الحجاز وإخراج النجديين منه وفاء

بوعدها له - كما لخصته جريدة كوكب الشرق في هذا الأسبوع عن بعض الصحف

الإنكليزية - فأي مسلم يؤمن بالله ورسوله، ويغار على قبلته وشعائر دينه يرضى

أن يكون لأحد من أهل هذا البيت أدنى سلطة في الحجاز؟

قلت: إن الإنكليز عادوا إلى مساعدة البيت الهاشمي حتى في نشر الدعاية

لخداع العالم الإسلامي. وقد بدئت هذه الدعاية بفرية نشرها وكيل الشريف علي

بمصر في المقطم، وهي أن الوهابيين قد جعلوا قبة الحرم النبوي الشريف

والروضة الطاهرة هدفا للرصاص، ولم تقل هذه الدعاية على ما نعهد من إسرافها

في الكذب: إنهم رموها بالمدافع ولا أنهم أصابوها بسوء.

وقد ثبت رسميا أنه ليس معهم مدافع، ومن المعقول ما قاله لنا ضابط مغربي

كان في مدفعية الجيش الهاشمي بالمدينة وهو أن رصاص بنادق الوهابية يستحيل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٨١