تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ (المائدة: 90) ، أما قوة الأول في الخنزير؛ فلأنه كثير التتبع لأكل الأقذار
دائما، فهو تعليل لتحريم أكله دائما كتحريم الجلالة ما دامت تأكل القذر لا دائما،
وأما ضعف الثاني فلأن لفظ رجس خبر عن الخمر وما عطف عليها، وهو لا
يوصف بالنجاسة قطعا، ولتفسيره في الآية بأنه من عمل الشيطان يوقع به العداوة
والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولأن الخمر غير مستقذرة عند
العرب ولا غيرهم.
وأما أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد ورد فيها هذان اللفظان في
الاستعاذة، وفي لحم الحمر الأهلية، وفي وصف الروث بأنه رجس، وفي رواية
ركس وهو تعليل لكونه لا يصلح للاستنجاء به، وورد أن المسلم لا ينجس حيا ولا
ميتا، وأن الماء طهور لا ينجسه شيء. صححه أحمد، وقيده الجمهور بعدم التغير
بالنجاسة، وبعضهم بحديث (إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث) وسئل صلى الله عليه
وسلم عن دم الحيض فأمر بحته وقرصه ونضحه أو رشه بالماء، وهذا حديث متفق
عليه، وفي حديث آخر غسل الثوب منه بماء وسدر، وورد أن طهور النعلين من
الخبث دلكهما بالأرض، وأن طهور كل أديم (جلد) دباغه، وقال صلى الله عليه
وسلم في الميتة: (إنما حرم أكلها) رواه الجماعة عن ابن عباس مرفوعا إلا ابن
ماجه، واستدل به من لا يقول بنجاستها، وورد غسل الثوب من المني الرطب،
وتنحيته بإذخرة أو غيرها، وفركه إذا جف، واستدل بهما من قال بطهارته. وفي
حديث أم سلمة: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقال لها صلى
الله عليه وسلم: (يطهره ما بعده) رواه الأربعة، وصح الاستنجاء من البول
والغائط بالحجارة وما في معناها، وهي لا تزيل العين كلها ولا الأثر، والأمر
بغسل العضو من المذي لمن سأل عنه، وينضح الثوب بالماء من بول الغلام الذي
لم يأكل الطعام.
ولما لم يجد العلماء نصوصا قطعية في أعيان النجاسات والمطهرات غير
أمثال هذه الأخبار الآحادية، اختلف اجتهادهم في فهمها بما نلخص أهمه بالإجمال.
***
المذاهب في النجاسات والمطهرات
قال الإمام ابن رشد الحفيد الأندلسي في (بداية المجتهد) ما نصه:
وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان
ذي الدم (السائل) الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب
حياته , وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت،
إذا كان مسفوحا أعني: كثيرا، وعلى بول ابن آدم ورجيعه وأكثرهم على نجاسة
الخمر، وفي ذلك خلاف عن بعض المحدثين [1] ، واختلفوا في غير ذلك اه؛
وقد حصر الإمام الشوكاني النجاسات في الروضة الندية بقوله:
(والنجاسات هي غائط الإنسان مطلقا وبوله - إلا الذكر الرضيع - ولعاب
كلب، وروث، ودم حيض، ولحم خنزير، وفيما عدا ذلك خلاف، والأصل
الطهارة، فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه) اه؛
وقد علم منه الخلاف في الميتة والدم المسفوح وفي بعض ما ذكره هو خلاف
أيضا: كلعاب الكلب، وممن قال بطهارته عكرمة ومالك.
واختلف المجتهدون في المطهرات أيضا فمنهم من يحصر التطهير في الماء
المطلق كالشافعية والحنابلة إلا ما ورد من الاستنجاء بالحجارة ونحوها، وطهارة
جلود الميتة بالدباغ، وطهارة الخمر بتخللها بنفسها، والماء المقيد كماء الورد لا
يطهر عندهم، ويجب عندهم في التطهير إزالة عين النجاسة وصفاتها إلا ما عسر
من لون وريح، وشرطه أن يكون الماء واردا على المتنجس لا مورودا إذا كان
قليلا: أي دون القلتين، وهم أشد الفقهاء توسعا في النجاسات، ومن مذهبهم أن من
خرج من بين أسنانه دم ولم يطهره بالماء المطلق بقي فمه نجسا، وكانت صلاته
وصومه باطلين، وإن طال الزمن، مع القطع بزوال النجاسة وأثرها، ولو كان