يحرم على المسلمين زيا مخصوصا، بل ترك هذا وأمثاله من العادات إلى اختيار
الناس، والإسلام دين عام فرضه الله تعالى على جميع الناس كما تراه مفصلا في
تفسير هذا الجزء، وما يصلح لهم من اللباس في بعض الأقطار لا يصلح في غيرها،
ولكن شرعه حرم عليهم الضرر والضرار، فليس لمسلم أن يرتكب ما يضر نفسه
ولا ما يضر غيره، فاجتناب الضرر والضرار قيد تقيد به جميع المباحات لذاتها
من أكل وشرب ولباس وصناعة وزراعة وغير ذلك، فمن علم بالتجربة أو بقول
الطبيب الصادق أن أكل الخبز أو شرب الماء يضره لمرض مثلا حرم عليه،
ويقاس على هذا غيره، وما يضر الناس أفرادا وجماعات أولى بالتحريم مما يضر
النفس، فليس لمسلم أن يضر أحدا بعبادته فضلا عن عادته.
فمن عرف هذا الأصل علم أن لبس السراويل المسمى بالبنطلون أو القلنسوة
المسماة بالبرنيطة ليس محرما لذاته بل مباحا، فإن كان هذا اللباس بصفة تصده
عن الصلاة أو تحمله على تأخيرها عن وقتها لتعذر أدائها أو تعسره في حال لبسه،
ككون السراويل حازقا؛ أي: ضاغطا على البدن يمنع لشدة ضيقه من السجود،
وككون القلنسوة تمنع منه كذلك بشكلها.. . فإن ذلك يكون ضررا دينيا مقتضيا
للتحريم ما دام مانعا، وكذلك إذا كان لبس الحاذق يضر البدن كما قالوه في المشد
الذي تشد النساء به خصورهن. وقد قال الدكتور سنوك المستشرق الهولاندي
المشهور الذي دخل في الإسلام، وجاور في مكة بضع سنين، وكان صديقنا السيد
عبد الله الزواوي مفتي مكة من شيوخه يعتقد صحة إسلامه- قال: إنه ثبت التجربة
الدقيقة في البلاد المختلفة أن المسلمين الذين يتركون زيهم ويلبسون الزي الإفرنجي
يترك أكثرهم الصلاة أو المحافظة عليها، مع العلم بأن أكثرهم يجعلها واسعة لا
يتعذر السجود ولا يتعسر في حال لبسها.
ونحن نزيد على هذا أننا رأينا بالاختبار في مصر أن الذين تركوا الزي
الوطني: الجبة والقباء (القفطان أو الغنباز) ، والعمامة حتى من غير المنسوبين
إلى طبقة رجال العلم والتعليم، واستبدلوا به الزي الإفرنجي، صار أكثرهم
يجلسون في الحانات، ويعاقرون الخمور على قارعة الطريق، ويختلفون إلى
معاهد الرقص والخلاعة ومواخير الزنا جهرا، ومنهم من غير زيه؛ لأجل هذا
فكان عاصيا لله تعالى به وسيلة ومقصدا. وما كل من يلبسه كذلك ولا سيما الذين
اعتادوه من الصغر.
ثم إن هذا الزي قد صار - إذا استثنينا (البرنيطة) - من جملة الأزياء
الوطنية بمصر وبلاد أخرى، يلتزمه جميع رجال الحكومة ما عدا رجال الشرع
عنهم، فإذا أضيفت إليه البرنيطة التي لا تزال خاصة بالإفرنج ومقلديهم من الشعوب
غير الإسلامية، ولا يلبسها من المسلمين إلا الأفراد الذين يسافرون إلى بلاد الإفرنج؛
لأجل التنكر وإيهام أهل البلاد أنهم منهم، ويعتذرون عن هذا بأنهم إذا دخلوا البلاد
بزيهم الوطني يكونون مطمح أنظار الساخرين والمستهزئين، وقد يؤذون منهم.
وهذا اعتذار باطل كما جربنا بنفسنا، فقد زرنا أوربة بزينا الوطني الذي يعد زي
علماء الدين في بلادنا، ولم نلق أذى من أحد باحتقار ولا غيره، نعم كانت تتوجه إلينا
الأنظار، وتلتفت نحونا الأعناق، ولا سيما إذا صلينا في بعض المتنزهات العامة،
ولكن كان يكون ذلك مع الأدب التام، بل كنا قد نحترم عند الذين يعرفوننا أكثر من
غيرنا.
وقد لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - الجبة الرومية والطيالسة الكسروية
لبيان الجواز، ولكنه أمر أمته بمخالفة الكفار في عادتهم وأزيائهم لا في أمورهم
الدينية فقط، ولما كان هو بمكة كان يخالف المشركين وإن وافق أهل الكتاب، فلما
صار في المدينة كان يأمر بمخالفة أهل الكتاب لمجاورته لهم فيها، كما أمر بصبغ
الشيب؛ لأنهم لم يكونوا يصبغون، وروى أحمد وابن ماجه والطبراني عن أبي أمامة
(رضي الله عنه) قال: قلنا يا رسول الله: إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون،