(المنار)
إننا نجيب عن هذه المسائل بشيء من الإجمال لبعض مباحثها، ومن التكرار
لبعض معانيها، ولما سبق لنا من تفصيل القول في أكثرها.
***
كشف وجه الحرة وكفيها
نقل الحافظ ابن عبد البر وغيره أن المسلمين قد أجمعوا على أن على المرأة
أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام، ومن المعلوم أن مدة الإحرام طويلة تبتدئ
من الميقات المعين، وتنتهي بأداء النسك من حج أو عمرة، وأن النساء كن ولا
يزلن يشاركن الرجال في أعمال فرائض النسك وواجباته، وأنهن كن يصلين مع
الرجال، ويتوضأن حيث يتوضؤون في باقي الأوقات والأحوال، فالستر الذي
فرض عليهن في أثناء الصلاة والنسك هو أكمل الستر وأتمه؛ لأنه يكون في أفضل
المجامع الدينية المشتركة بينهن وبين الرجال، ولا ينافي ذلك كونهن يصلين صلاة
الجماعة خلف الرجال، وأنهن قد يفرد لهن المطاف فيطفن وحدهن؛ إذ من المعلوم
بالضرورة أنهن يقبلن على المساجد في الحالة التي يصلين فيها أو يطفن، فيراهن
الرجال، وأنهن يتنقلن مع الرجال من مواقيت الإحرام إلى مكة، ومنها إلى عرفات
والمزدلفة ومنى.
ولا بأس بأن ننقل هنا ملخص مذاهب علماء الأمصار في المسألة في الصلاة
وخارجها عن كتاب المفتي للشيخ الموفق الحنبلي، فإنه كتاب في فقه الإسلام لا في
فقه الحنابلة وحدهم، قال (ص641ج1) :
لا يختلف المذهب في أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في الصلاة، وأنه ليس
لها كشف ما عدا وجهها وكفيها، وفي الكفين روايتان، واختلف أهل العلم، فأجمع
أكثرهم على أن لها أن تصلي مكشوفة الوجه، وأجمع أهل العلم على أن للمرأة
الحرة أن تخمر رأسها إذا صلت، وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن
عليها الإعادة، وقال أبو حنيفة: القدمان ليسا من العورة؛ لأنهما يظهران غالبا فهما
كالوجه، وإن انكشف من المرأة أقل من ربع شعرها أو ربع فخذها أو ربع بطنها لم
تبطل صلاتها. وقال مالك والأوزاعي والشافعي: جميع المرأة عورة إلا وجهها
وكفيها، وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة؛ لأن ابن عباس قال في قوله تعالى:
﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ (النور: 31) : الوجه والكفين. ولأن
النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المحرمة (أي بالحج أو العمرة) عن لبس
القفازين والنقاب. ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة
تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء، وقال بعض
أصحابنا: المرأة كلها عورة؛ لأنه قد روي في حديث عن النبي - صلى الله عليه
وسلم -: (المرأة كلها عورة) ، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
لكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر
إليه لأجل الخطبة؛ لأنه مجمع المحاسن اه، ومثله في الشرح الكبير (ص
462ج1) .
وذكر الإمام الشوكاني في نيل الأوطار خلاف هذه المذاهب وغيرها، فقال:
(وقد اختلف في مقدار عورة الحرة، فقيل: جميع بدنها ما عدا الوجه
والكفين، وإلى ذلك ذهب الهادي والقاسم في أحد قوليه، والشافعي في أحد أقواله،
وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه، ومالك. وقيل: والقدمين وموضع الخلخال:
(أي: كالوجه والكفين) ، وإلى ذلك ذهب القاسم في قول وأبو حنيفة في رواية عنه،
والثوري وأبو العباس، وقيل: بل جميعها إلا الوجه، وإليه ذهب أحمد بن حنبل
وداود , وقيل: جميعها بدون استثناء، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي،
وروى عن أحمد. وسبب اختلاف هذه الأقوال ما وقع من المفسرين من اختلاف في
تفسير قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ (النور: 31) اه.
أقول: بل هنالك أسباب أخرى كما تقدم عن المغني، وأقواها ما كان معروفا
في الصدر الأول من معاملة النساء للرجال في البيع والشراء والشهادة، وخدمتهن
لجرحى الحرب، وإنما ورد النهي عن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية وعن متابعة
نظر الشهوة. وفي حديث ابن عباس من صحيح البخاري وغيره أن النبي - صلى