المشابهة له.
وأما أصحاب الأصوات العالية التي تتجاوب أصداؤها في الأقطار، وتطير
بها البرقيات كل مطار، لما لها من الصفة الرسمية أو شبه الرسمية؛ كالملوك،
والأمراء، ورؤساء الهيئات العلمية، والزعماء، فقد ظلوا صامتين - اللهم إلا
جمعية العلماء وجمعية الخلافة في الهند - كأن أمر اعتداء الإنكليز على الحجاز أمر
عادي لا يؤبه له.
ومن العجيب أن وجد في رجال الإنكليز المشهورين أنفسهم من أنكروا على
حكومتهم حق ضم شيء من أرض الحجاز إلى منطقة الانتداب، ولم يوجد من
أمراء المسلمين وحكوماتهم ولا من جماعاتهم الرسمية من فعل ذلك.
إن هؤلاء لا يجهلون أن وضع الإنكليز أقدامهم بقرب المدينة المنورة بحجة
حماية شرق الأردن من الوهابيين أو غيرهم سيحملهم على الاستيلاء على المدينة
المنورة نفسها لحماية العقبة ومعان، ثم الاستيلاء على مكة؛ لأجل حماية المدينة
المنورة، فأين أنتم أيها المسلمون وأين وصية رسولكم - صلى الله عليه وسلم -
في مرض موته؟
وأعجب من هذا السكوت والسكون أن الإنكليز مع هذا العدوان على الإسلام
يهيجون الشعوب الإسلامية على السلطان ابن السعود الذي أعلن رسميا أنه يمنع أي
نفوذ أجنبي أن ينفذ إلى الحجاز، ويحملونهم على الانتصار للشريف علي الذي
وهب لهم منطقة من الحجاز حربية بحرية برية، فأذاعوا في العالم أن الوهابيين
أطلقوا رصاصهم أو نارهم على قبة الحرم النبوي الشريف، وأنهم هدموا قبر
حمزة - رضي الله تعالى عنه -، وهي فرية افتراها سماسرة الشريف علي
بمصر، ونشروها في المقطم؛ فطارت بها البرقيات البريطانية، ودبر وفد الشريف
علي في بمبي (الهند) فتنة، هيجوا بها بعض الغوغاء في المسجد ببرقية مزورة من
القدس على الزعيم الكبير شوكت علي رئيس جمعية الخلافة؛ لمقاومته للاستبداد
الإنكليزي في الهند، والعدوان على الإسلام والمسلمين [1] .
وقد طيرت البرقيات البريطانية خبر هذه الفتنة المدبرة، فلم يبق قطر إسلامي
إلا ونشرته فيه، وقد أظهر شيخة الجرائد البريطانية تعجبها من سكوت المصريين
وعدم تهيجهم على ابن السعود، فعلم بهذا من لم يكن يعلم أن غرضها من ذلك هو
التهييج، ومساعدة الشريف علي على الوهابية بالدعاية الباطلة.
إن (التيمس) تعلم أن كذبها وكذب البرقيات الإنكليزية والسياسة البريطانية
نفسها قد صارت مضرب الأمثال عند المسلمين وغيرهم، ولا سيما إذا كانت في
الأمور الإسلامية، وآخرها زعمها أن الرأي الإسلامي العام بمصر مؤيد للشيخ علي
عبد الرازق في زعمه أن حكومة الإسلام لا دينية، وفي إهانته للإسلام والمسلمين المفيدة لسياستهم في الاستعمار، ودعوة مبشريهم إلى تنصير المسلمين.
ولم ينس المسلمون الأكاذيب الحجازية البريطانية التي أذيعت قبل موسم الحج
لصرف المسلمين عن أداء الفريضة، كقولهم: إن أساطيل الحجاز تمنع الحجاج من
النزول في ثغري رابغ والقنفذة، وأن جنود الحجاز تقطع عليهم الطريق إذا أمكنهم
النزول، وإنهم مع ذلك لا يجدون ماء ولا قوتا، ثم ظهر أن ذلك كذب صادر عن
سوء نية، فقد ذهب الألوف من أهل الهند الذين لم يصدقوا الإنكليز ولا دعاة
الشريف علي، ونزلوا في تلك الثغور، وأدوا الفريضة بأمان واطمئنان وراحة لم
يسبق لها نظير.
مع هذا كله اغتر بعض الناس بخبر المدينة المنورة؛ فانتدب جلالة مليكنا
العظيم بحكمته، وكشف للأمة الغطاء عن الحقيقة ببرقيته إلى السلطان ابن السعود،
وما جاءه من الجواب المكذب لتلك الفرية [2] فقطعت جهيزة قول كل خطيب،
وظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون اه.
***
ما نشره الديوان الملكي في الجرائد
بعنوان بين الحجاز ومصر
ديوان جلالة الملك:
(1) صورة البرقية المرسلة من حضرة صاحب الجلالة الملك إلى عظمة
السلطان عبد العزيز سلطان نجد في 11 صفر سنة 1344 -30 أغسطس سنة
1925.
عظمة السلطان عبد العزيز سلطان نجد: