تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اضطرارا سيدي، أظنكم لم تنسوا بعد ذلك الاحتفال المهيب بقدومكم إلى البلاد

الهندية، والمقابلات الحارة المخلصة التي استقبلكم بها الهنود، فكنتم موضع إجلال

واحترام من جميع الطبقات بلا استثناء - أما كان يصح في هذه الحالة أن ينتظر

أحد المحتفلين بكم من مكارمكم وتعطفاتكم ما يزيده إخلاصا إليكم وحبا فيكم؟

ولكنني أقول والأسف يملأ قلبي: إن هذا الأمل كان في غير محله.

سيدي، اعتقدوا أنني حاولت كثيرا أن أبرر عملكم هذا، فكانت هذه المحاولة

خائبة خيبة أملي بلقائكم.

ولست أدري كيف أفسر عملكم هذا عندما أقدم للجمهور مؤلفي، وأذكر ما لاقيت

في سبيل جمع مواده.

وعلى كل حال قد حصلت إقامتي هنا على معلومات بقدر ما تمكنت الحصول

عليها، وأغادر القاهرة اليوم وأنا كل اليقين (؟) والاعتقاد أنني سوف ألاقي في

أوربا وغيرها من بلاد الكفر والإلحاد (؟) من العلماء من هم أوسع صدرا وأرحب

ساحة من علمائنا الكرام وأخيرا تقبلوا سلامي.

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الخادم المخلص

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد عبد الغفار

(المنار)

لقد بلوت من الناس غرائب كثيرة، ولم أر أغرب من حال هذا الرجل في

أمر سفره من لندن إلى مصر للبحث عن سيرة السيد جمال الدين، وجمع ما يمكن

جمعه منها؛ لأجل تأليف كتاب خاص في سيرته، وللقيام ببعض الأعمال

التجاريةأيضا، ومكثه في القاهرة أسبوعا واحدا وعودته بسرعة، وهذه المدة لم تكن

كلها تتسع لأخذ ما عندي من المواد الخاصة بسيرة السيد - رحمه الله

تعالى - لو لم يكن لنا شغل غيرها، ولا من حاله في أمر اهتمامه بمقابلتي بالتوسل

إليها بتوصيته من يعرف ومن لم يكن يعرف من الوجهاء، وبالكتابة وإرسال

الرسول؛ لأجل تعيين موعد خاص للمذاكرة في سيرة السيد، وأخذ المعلومات

المطلوبة، وعدم تفضله بالزيارة بدون سبق الموعد المطلوب، على كونه قد زار

بعض الناس بدون أخذ موعد معين منهم، كإسماعيل شيرين بك ونور الدين بك

مصطفى كما أخبراني بذلك، ثم إسراعه بالسفر بعد مجيء رسوله إلى مكتبة المنار

وسؤاله عني فيها بيومين , وفي أمر كتابه الجامع بين التعظيم والتهكم والمن

والتهديد.

أما أنا فعلى شدة تعجبي من هذا الكتاب واستنباطي منه أن صاحبه شاذ في

عقله وأخلاقه، أسفت أسفا شديدا لما فهمته منه أن الفندق لم يبلغه ما عهدناه إليه من

الاستعداد للقائه في كل يوم، ولا سيما وقت الصباح على كونه وقت تزاحم الأعمال

علي الذي به كان وجودي فيه بمكتبي حتما لازما، وقد حملني هذا الأسف على

الذهاب إلى محطة مصر قبل وقت سفر قطار المساء الحديدي إلى بورسعيد؛ لعلي

أجده مسافرا فأعتذر له، وأتفق معه على طريقة لإيصال ما يطلبه من المواد في

سيرة حكيمنا الأكبر السيد جمال الدين رحمه الله تعالى.

ذهبت إلى المحطة قبل موعد دخول المسافرين في القطار، وطفقت أتوسم

وجوه ركاب الدرجة الأولى - وكذا الثانية احتياطا - لعلي أجد سحنة هندية أتطفل

بالسؤال عن صاحبها فلم أجد، وإنما فعلت هذا؛ لأنني أعد للرجل علي حقين لا

يبيح لي شذوذ كتابه هضمهما:

(أحدهما) أنه خاطبني بالوسائط، ولم يعلم أنني أجبته، ولم يلتمس لي

عذرا على سعة باب التماس الأعذار الذي ضاق عليه.

(وثانيهما) أنه يريد تأليف كتاب في سيرة أستاذنا الأكبر موقظ الشرق

وحكيم الإسلام، وأنا أحرص الناس كما أعتقد على نشر سيرته الصحيحة والاعتبار

بها.

بعد هذا قصصت خبره على شابين هنديين نجيبين مشتغلين بطلب العلم

بمصر، فجزم كل منهما وحده برأي واحد، وهو أن هذا الشذوذ بالامتناع من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٢٥