تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو ولا هي، فأنت ترى أن حرية المرأة في الدين المسيحي هي أيضا غير مطلقة

ولا تامة، وإذا كنا نرى الأوربيين والأمريكيين قد خالفوا هذه القواعد، فالذين

يخالفونها منهم ليسوا عاملين بمبادئ النصرانية، وإلى يومنا هذا كل من ينطبق

عمله في الحياة الدنيا على مبادئ الكنيسة لا يقول بحرية مطلقة للمرأة.

فأما كون الأمم التي ليس فيها حجاب لا تقل عن الأمم القائلة بالحجاب عفة

نساء وصون حلائل فليس بصحيح، إن بين الفريقين في هذا الموضوع فرقا بعيدا،

أما نصارى المشرق فإنهم مثلنا في العادات والأخلاق، وتقييد حرية المرأة في

الأمور التي يخشون منها على عفتها، ولذلك لا نقدر أن نتخذهم هنا مثالا، وأما

العالم الغربي الذي أباح الحرية التامة للمرأة، وتركها تفعل ما تشاء بعد بلوغها سن

الرشد، فلا أحد يمكنه أن يقول: إن العفة والصون اللذين هما من شرائط الإسلام

والنصرانية متوافران فيه بالدرجة التي هما في العالم الإسلامي والعالم المسيحي

الشرقي، لعمري إن ما يحصل في باريس وحدها من الفسق والفجور يساوي كل ما

يحصل من هذا النوع في جميع العالم الإسلامي.

وأما كون التعليم برقي المرأة إلى سنام العفاف، ويجعلها في غنى عن

الحجاب وعن مراقبة بعلها، فمع كوننا لا ننكر أن التعليم يهذب كثيرا من أخلاق

المرأة ويعصم من هواها، فلا نستطيع أن نقول: إنه كاف في هذا الموضوع ساد

مسد المراقبة الزوجية والقيود الشرعية، فالتعليم لا يقوم مقام الخوف ولا يصح

وحده وازعا، وها نحن أولاء نعرف من الرجال الذين بلغوا الدرجة القصوى من

العلم، ولم يزدهم علمهم ولا فضلهم عفة مئزر ولا طهارة ذيل، فنقص الفسق

والفجور في العالم الشرقي عن مثله في العالم الغربي لا يقدر ولا يحصى، إنما هو

بقوة سيطرة الرجال على النساء، وينضم إليه كون الدين لا يزال في الشرق أرسخ

مما هو في الغرب، فتجد المرأة المسلمة والمسيحية الشرقية تخاف عقاب ربها

وعقاب زوجها، بخلاف كثير من الأوربيات اللائى أصبحن لا يخفن لا من الخالق

ولا من المخلوق.

بقي علينا اعتراض قد يقول به كثيرون من الذين يحبون أن يقال لهم:

(عصريون) محررون من الأوهام والعقائد، سائرون في طريق الرقي بعقول

علمية صرفة، وبصائر فنية محضة - وهو أن نفور المسلم من أن يرى أخته أو

بنته حليلة لرجل مسيحي أو يهودي أو وثني، ونفور المسيحي من رؤية أخته أو

بنته زوجة لرجل مسلم أو يهودي أو وثني، إنما هو من تأثير الأوهام ورسوخ

العقائد، لا بل من رسوخ الوساوس التي ليست من الحقائق في شيء، وكذلك يقال

في مخادنة المسلمة أو المسيحية العاملة بدينها لرجل تتفق معه على بدل معلوم تبيعه

به عرضها، فهذا هو أيضا من عمل الأوهام والوساوس التي بمرور الأزمان وشدة

التكرار، انقلبت شرفا وغيرة وحمية، حال كون العلم ينبغي أن يزيل هذه الأوهام

من الأذهان، وأن يصفيها للحقائق دون غيرها، وأن أهم مهمة يقوم بها العصر

الحاضر هو تبديد الأوهام وإزالة دولة الخرافات، فإن وقع هذا الاعتراض من أحد

فنكون رجعنا إلى قاعدة فالح رفقي وعبد الله جودت والشاب الذي تحاور مع الرافعي،

ولسنا في هذه المقالة رامين إلى تفنيد هذا الزعم من حيث هو، وإنما نقول لهم:

إنهم كانوا يرون المدنية الأوروبية أرجح من الصون والطهر فلا بأس بقبول هذه

النظرية على علاتها، وإلا فإذا كانوا يلتزمون مبادئ العفة والطهارة والاحتياط التام

لأجل حصول الولد من صلب أبيه، فلا بد لهم من رفضها أو تقييدها على الأقل

وإنني أؤكد لهم أن الإنسان ما دام إنسانا وما دام هذا تركيبه فلن يمكنه التحرز مما

نسميه بالأوهام والعقائد، ولن يعول على الحقيقة المجردة من كل عادة وتقليد إلا إذا

رضي بحالة تشبه حالة البهائم.

إننا إذا تأملنا بعين الحقيقة المجردة وجدنا النكاح والسفاح واحدا لا فرق بينهما،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٢٢