تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا: ﴿ ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ﴾ ، وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء، ونجاه الله من النار، وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها، ولهذا قال تعالى: ﴿ فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ﴾.

37.99-113

يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أنه بعدما نصره الله تعالى على قومه، وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم وقال: ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين * رب هب لي من الصالحين ﴾ يعني أولادا مطيعين يكونون عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال الله تعالى: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ هذا الغلام هو (إسماعيل) عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم، أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة أخرى: بكره، فأقحموا ههنا كذبا وبهتانا (إسحاق) ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو (إسحاق) وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلما من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿ وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ﴾ ، ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا

إنا نبشرك بغلام عليم

[الحجر: 53]، وقال تعالى:

فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب

[هود: 71] أي يولد في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا؟ وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام، وقوله تعالى ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، قال ابن عباس ومجاهد: ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ بمعنى شب وارتحل، وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل ﴿ قال يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ﴾ قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثم تلا هذه الآية: ﴿ قال يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ﴾؟، وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه ﴿ قال يأبت افعل ما تؤمر ﴾ أي امض لما أمرك الله من ذبحي، ﴿ ستجدني إن شآء الله من الصابرين ﴾ أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد، ولهذا قال الله تعالى:

واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا

[مريم: 54]، قال تعالى: ﴿ فلما أسلما وتله للجبين ﴾ أي فلما تشهدا وذكرا الله تعالى (إبراهيم) على الذبح و(الولد) شهادة الموت، وقيل: ﴿ أسلما ﴾ يعني استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله تعالى وإسماعيل طاعة لله ولأبيه، ومعنى ﴿ تله للجبين ﴾: أي صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه، قال ابن عباس ﴿ وتله للجبين ﴾ أكبه على وجهه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه، فسبقه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم ذهب به جبريل عليه السلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات، وثم تله للجبين، وعلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام قميص أبيض: فقال له: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: ﴿ أن يإبراهيم قد صدقت الرؤيآ ﴾ فالتفت إبراهيم، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٤٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٤٥٥