تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.210-212

يقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ ، ثم ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم لأن سجاياهم الفساد، وإضلال العباد، وهذا فيه نور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وما ينبغي لهم ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وما يستطيعون ﴾ أي ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في مدة إنزال القرآن على رسول الله، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿ إنهم عن السمع لمعزولون ﴾ كما قال تعالى مخبرا عن الجن

وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا

[الجن: 9].

26.213-220

يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له ومخبرا أن من أشرك به عذبه. ثم قال تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين أي الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحد منهم إلا إيمانه بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله كائنا من كان فليتبرأ منه، ولهذا قال تعالى: ﴿ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ﴾ ، وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها، كما قال تعالى:

لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون

[يس: 6]، وقال تعالى:

لتنذر أم القرى ومن حولها

[الشورى: 7]، وقال تعالى:

لأنذركم به ومن بلغ

[الأنعام: 19 ]، كما قال تعالى:

ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده

[هود: 17]، وفي " صحيح مسلم ":

" والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار "

وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها، الحديث الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾

" أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى: " يا صباحاه " ، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ " قالوا: نعم، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: ﴿ تبت يدآ أبي لهب وتب ﴾ "

، الحديث الثاني: روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: لما نزلت: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

" يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم "

الحديث الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعم وخص، فقال:

" يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلاها "

وقال الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئا، سلاني من مالي ما شئتما "

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٢٤٧