تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.78-82

يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾: أي هو الخالق الذي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه فكل يجري على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ أي هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ أسند المرض إلى نفسه وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال الجن:

وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا

[الآية: 10]، وكذا قال إبراهيم: ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ أي إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه، ﴿ والذي يميتني ثم يحيين ﴾ أي هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ أي لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ وهو الفعال لما يشاء.

26.83-89

وهذا سؤال من إبراهيم عليه السلام أن يؤتيه ربه حكما، قال ابن عباس: وهو العلم، وقال عكرمة: هو اللب، وقال مجاهد: هو القرآن، وقال السدي: هو النبوة، وقوله: ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ أي اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار:

" اللهم في الرفيق الأعلى "

، قالها ثلاثا. وفي الحديث:

" اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين "

، وقوله: ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ أي واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى:

وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين

[الصافات: 108-110]. قال مجاهد وقتادة: يعني الثناء الحسن، قال ليث ابن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه، وقوله تعالى: ﴿ واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ أي أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم، وقوله: ﴿ واغفر لأبي ﴾ الآية، كقوله:

ربنا اغفر لي ولوالدي

[إبراهيم: 41] وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام، كما قال تعالى:

وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه

[التوبة: 114] إلى قوله

إن إبراهيم لأواه حليم

[التوبة: 114]، وقوله: ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ أي أجرني من الخزي يوم القيامة، ويوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" يلقى إبراهيم يوم القيامة أباه عليه الغبرة والقترة ".

وفي رواية أخرى:

" يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين؛ ثم يقول: يا إبراهيم انظر تحت رجلك فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار "

وقوله: ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴾ أي لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهبا ﴿ ولا بنون ﴾ أي ولو افتدى بمن على الأرض جميعا ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص الدين له، ولهذا قال: ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ أي سالم من الدنس والشرك، قال ابن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وقال ابن عباس: القلب السليم أن يشهد أن لا إله إلا لله، وقال مجاهد والحسن: ﴿ بقلب سليم ﴾ يعني من الشرك، وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٢٣٥