تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ ﴿لَرَءُوفٌ﴾

(١٤٣) - كَانَ النَّاسُ، قَبْلَ الإِسْلاَمِ، فِئَتِينِ:

- فِئَةً مَادِّيَّةً لا هَمَّ لَهَا إِلاَّ تَحْقيقُ مَا يَتَطَلَّبُهُ الجَسَدُ وَلَذَائِذُهُ كَالمُشْرِكينَ وَاليَهُودِ، وَقَالُوا إِنْ هيَ إِلاَّ حَيَاتُنا الدُّنيا، وَمَا يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهرُ.

وَفِئَةً طَغَتْ عَلَيها النَّزعَةُ الرُّوحَانِيَّةُ الخَالِصَةُ، وَسَيْطَرَتْ عَلَيهَا فِكْرَةُ تَرْكِ الدُّنيا وَمَا فِيها مِنَ اللَّذائِذِ الجَسَدِيَّةِ كَالنَّصَارَى وَالصَابِئَةِ وَبَعْضِ طَوَائِفِ الهُنُودِ.

فَجَاءَ الإِسلامُ لِيَجْعَلَ المُسْلِمِينَ وَسَطًا بَيْنَ هؤلاءِ وَهؤُلاءِ، فَقَالَ بِتَحقيقِ مَطَالِبِ الجَسَدِ بِلا إِسْرافٍ وَلاَ مُبَالَغَةٍ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى السُمُوِّ الرُّوحِيِّ، لأَنَّ الإِنسَانَ جَسَدٌ وَرُوحٌ.

وَقَدْ جَعَلَ اللهَ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطًا لَِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى المَادِيِّينَ الذِينَ فَرَّطُوا في جَنْبِ اللهِ، وَأخلَدُوا إِلى اللَّذاتِ، وَصَرَفُوا أنفُسَهُمْ عَنْ قَضَايَا الرُّوحِ، وَشُهَداءَ عَلَى الغُلاةِ فِي الرُّوحَانِيَّةِ الذِينَ قَالُوا بِتَخَلِّي الإِنسَانِ عَن اللَّذاتِ الجَسَدِيَّةِ، وَبِحِرْمَانِ النَّفْسِ مِنْ جَميعِ مَا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي هذهِ الحَيَاةِ الدُّنيا.

وَلِيَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ، وَهُوَ القُدوَةُ والمَثَلُ الأَعلَى لِلمُؤْمِنينَ باللهِ، شَهِيدًا عَلَى المُسلِمِينَ إِن كَانُوا اتَّبعُوا سِيرَتَهُ وَشَرْعَهُ، اوِ انحَرَفُوا وَحَادُوا عَنِ الاعتِدالِ.

وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِنَّهُ إِنَّما شَرَعَ لِلنَّبِيِّ التَّوَجُّهَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ أَوَّلًا، ثُمَّ صَرَفَهُ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبعُ النَّبِيَّ وَيُطِيعُهُ وَيَتَّجِهُ حَيثُما اتَّجَهَ، دُونَ تَشَكُّكٍ وَلا ارتِياب، ممَّن يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ (يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، وَإِنْ كَانَ فِي هذَا الصَّرفِ عَنْ بيتِ المَقْدِسِ مَشَقَّةٌ عَلَى النُّفُوسِ، غَيرَ النُّفُوسِ التِي هَدَاهَا اللهُ إِلى الإِيمَان، وَلِيَظْهَرَ مَنْ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَمَا جَاءَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ بِصُورَةٍ مُطْلَقةٍ؛ وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ المُصَدِّقُونَ يَكُونُ الأَمْرُ عَلَيهِمْ سَهْلًا يَسِيرًا.

وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُتَسَائِلينَ عَلَى أَحْوالِ قَومٍ مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلى بيتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مَاتُوا قَبلَ أن تُحَوَّلَ القِبْلَةُ إِلى الكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنينَ فَاللهُ تَعَالَى رَؤُوفٌ بِالنَّاسِ رَحِيمٌ.

أُمَّةً وَسَطًا: خِيَارًا أَوْ مُتَوَسِّطِينَ مُعْتَدِلِينَ.

يَنْقَلبُ عَلَى عَقِبَيْهِ - يَرْتَدُّ عَنْ الإِسْلاَمِ عِنْدَ تَحوِيلِ القِبْلَةِ إِلَى الكَعْبَةِ

لَكَبِيرَةٌ - لَشَاقَّةٌ عَلَى النُّفُوسِ.

أيسر التفاسير لأسعد حومد · الصفحة ١٥٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أيسر التفاسير لأسعد حومدص ١٥٠