تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما هذه الآية فتقيم سياجاً آخر في هذا المجتمع الفاضل الكريم ، حول حرمات الأشخاص به وكراماتهم وحرياتهم ، بينما هي تعلم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم ، في أسلوب مؤثر عجيب . .

وتبدأ - على نسق السورة - بذلك النداء الحبيب : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ . . ثم تأمرهم باجتناب كثير من الظن ، فلا يتركوا نفوسهم نهباً لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك . وتعلل هذا الأمر : ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ . وما دام النهي منصباً على أكثر الظن ، والقاعدة أن بعض الظن إثم ، فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيِّئ أصلاً ، لأنه لا يدري أي ظنونه تكون إثماً!

بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيِّئ ، فيقع في الإثم؛ ويدعه نقياً بريئاً من الهواجس والشكوك ، أبيض يكن لإخوانه المودة التي يخدشها ظن السوء؛ والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك ، والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع . وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون!

ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب . بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل ، وسياجاً حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف ، فلا يؤخذون بظنه ، ولا يحاكمون بريبة؛ ولا يصبح الظن أساساً لمحاكمتهم . بل لا يصلح أن يكون أساساً للتحقيق معهم ، ولا للتحقيق حولهم . والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : « إذا ظننت فلا تحقق » . ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء ، مصونة حقوقهم ، وحرياتهم ، واعتبارهم . حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه . ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم!

فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا ، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلاً ، وحققه في واقع الحياة ، بعد أن حققه في واقع الضمير؟

ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل باجتناب الظنون :﴿ ولا تجسسوا ﴾ . .والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن؛ وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات ، والاطلاع على السوءات .

والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية ، لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوآتهم . وتمشياً مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب .

ولكن الأمر أبعد من هذا أثراً . فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في نظامه الاجتماعي ، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية .

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٩٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٩٦٦