تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية . مشهد الأخ يأكل لحم أخيه . . ميتاً . . ! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز ، وأنهم إذن كرهوا الاغتياب!

ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى ، والتلويح لمن اقترف من هذا شيئاً أن يبادر بالتوبة تطلعاً للرحمة :﴿ واتقوا الله إن الله تواب رحيم ﴾ . .

ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس ، وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب . ويتشدد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متمشياً مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض .

وفي حديث رواه أبو داود : حدثنا القعنبي ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قيل : « يا رسول الله ، ما الغيبة؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : » ذكرك أخاك بما يكره « . قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال - صلى الله عيه وسلم - : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته » . ورواه الترمذي وصححه .

وقال أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة ، « عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : حسبك من صفية كذا وكذا ( قال عن مسدد تعني قصيرة ) فقال - صلى الله عليه وسلم - : » لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته « . قالت : وحكيت له إنساناً . فقال - صلى الله عليه وسلم - : ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا » .

وروى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم . قلت : من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم » .

ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية ، ورجمهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين يقول أحدهما لصاحبه : ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب! ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مر بجيفة حمار ، فقال : « أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار » قالا : غفر الله لك يا رسول الله! وهل يؤكل هذا؟ قال - صلى الله عليه وسلم - :" فما نلتما من أخيكما آنفاً أشد أكلاً منه . والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها "

وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع الإسلامي وارتفع ، وانتهى إلى ما صار إليه : حلماً يمشي على الأرض ، ومثلاً يتحقق في واقع التاريخ .

ــــــــــــــــــــ

25. اتباعُ الشهوات :

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٩٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٩٦٧